التوك توك يهدد سجاد الحرانية

سيد محمود
سيد محمود

آخر تحديث: الثلاثاء 4 أغسطس 2020 - 10:20 م بتوقيت القاهرة

لو كنا فى بلد اخر يحترم أدوار الرواد لحظى المعمارى الرائد رمسيس ويصا واصف (1911ــ1974 ) بمكانة فريدة فى تاريخنا فهو أحد اثنين من المعماريين الافذاذ اللذين انشغلا بموضوع الهوية وعلاقة المصرى المعاصر بتراثه المعمارى.
والأول نار على علم وهو المعمارى حسن فتحى الذى اشتهر بأعماله ومنهجه الذى شرحه فى كتابه ذائع الصيت (عمارة الفقراء).
أما الثانى فهو رمسيس ويصا واصف ابن السياسى الوفدى ويصا واصف رفيق نضال الزعيم سعد زغلول من أجل الاستقلال.
وطوال رحلته ترك اعمالا كثيرة أبرزها تصميمه الفريد والمبتكر لمتحف المثال العظيم محمود مختار فى حديقة الحرية قرب نادى القاهرة الرياضى وثكنات قصر النيل العسكرية عند كوبرى الجلاء.
لكن العمل الذى صنع شهرته ارتبط بدوره فى احياء الحرف اليدوية وبالاخص حرف فن النسيج والسجاد اليدوى وأعمال الباتيك (الرسم على القماش بالشمع) بعد ان نجح فى تأسيس مركز للسجاد فى قرية الحرانية على الطريق المؤدى لسقارة بموازاة ترعة المريوطية وهو لا يبعد عن وسط القاهرة اكثر من ٥٠ كيلومترا لكن الدخول إليه هو عبور إلى زمن آخر وقطيعة تامة مع زحام العاصمة لأنه باختصار قطعة محررة من «الجمال المتكامل» نجحت ابنتاه فى الحفاظ عليها وتنميتها والاضافة إلى عناصرها الجمالية.
وشخصيا أعتبر الذهاب إلى هناك رحلة لتطهير الذات والعثور على اجابة واضحة عن الاسئلة التى تشغلنى عن علاقة الثقافة بالناس وما يمكن للثقافة ان تغيره فى البيئة المحيطة، حيث لم يكتف الفنان الراحل بتأسيس المدرسة وإنما جعلها بؤرة لبث أفكاره التنويرية بالممارسة الخلاقة التى رسخت أولا لقيم التسامح الدينى فى القرية التى لم يكن حالها يختلف عن أى قرية مصرية أخرى رغم قربها الجغرافى من القاهرة.
حول رمسيس ويصا بيته ومدرسته إلى بؤرة إشعاع وتنوير وتولى تزويج طلاب المدرسة وتشغيلهم وعلمهم كيف يبنون بيوتهم بمواصفات بالغة الجمال وبتكلفة بسيطة جعلت القرية طوال سنوات مقصدا لاقامة الكثير من الفنانين.
وعلى الرغم من الشهرة العالمية للمكان المجاور لمتحف الفنان الكبير آدم حنين والفنان حبيب جورجى الا أنه محاصر بمختلف صور الإهمال ومخلفات الصرف الصحى التى تستقبل القادمين.
ومع ذلك فإن عبور المدخل بمثابة جسر للخلاص وعبور إلى الضفة الأخرى حيث يبدو الجمال عنوانا لكل شىء.
استعمل رمسيس ويصا فى تصميم مبانى المدرسة أساليب الاعتماد على القباب وغرف الطوب اللبن التى انتهت فى شكلها النهائى إلى غرف عمل أقرب فى شكلها إلى «القلايات» التى يتعبد فيها الرهبان داخل الأديرة المصرية التى نعرفها فى قلب الصحراء.
وفى العادة يتولى المهندس إكرام نصحى زوج ابنة الفنان الراحل مرافقة الزائرين وارشادهم إلى غرف عمل الفنانين الذين تبدو طريقة عملها أقرب إلى العبادة منها إلى أى شىء آخر فهى طريقة أخرى للابتهال إلى الله وتعظيم قدرته فى إبراز جلال ما تنتجه الايدى الذكية لهؤلاء الفنانين الذين كان رمسيس ويصا واصف يلتقطهم وهم صغار السن ليست لدى ذويهم القدرة على تعليمهم أو ليست لديهم النية فى ذلك وكان ويصا يتولى تعليمهم لاكتساب الرزق أولا والحفاظ على حرفة صناعة السجاد اليدوى وهى حرفة لم تهزم أمام التطور المذهل فى صناعة السجاد حيث لا يزال للسجاد التقليدى أسواقه العالمية التى ترحب بإنتاج هؤلاء الفنانين الذين تظهر صفحات التواصل الاجتماعى حجم الانبهار بإنتاجهم الذى لا يزال للأسف غير معروف فى مصر بالقدر الكافى.
وعلى مدار نصف قرن تحولت مدرسة رمسيس ويصا واصف من ورشة لصناعة السجاد والباتيك إلى «ورشة للأمل» ومدرسة داخلية لصيانة المواهب وعلى صعيد الاقتصاد الابداعى نجحت المدرسة فى إعادة توطين فنون صناعة السجاد والكليم واكتسبت منتجات المركز شهرة عالمية.
الا أن المركز فى السنوات الخمس الأخيرة بات يواجه تحديا من نوع آخر حيث تنعدم فرصة القائمين عليه فى العثور على أطفال لديهم الرغبة فى تعلم حرفة السجاد أو أى حرفة أخرى، فقد انعدمت لدى ذويهم الرغبة التى كانت لدى الأجيال السابقة من أولياء الأمور فى تعليم أولادهم حرفة لاكتساب الرزق الذى يعين على تحمل أعباء المعيشة لأسباب أظنها تهدد مختلف الحرف فى مصر، فالغالبية صارت تفضل أن يركب الأطفال «التكاتك» للحصول على مكسب سريع، بدلا من تحمل صبر سنوات لتعلم حرفة لن تأتى بربع ما يكسبه صبى التوك توك فى يوم واحد، فالعائلة تشترى توك توك بـ40 ألف جنيه ويقوم جميع أفرادها بالعمل عليه يوميا وخلال 4 أشهر يغطى تكلفة شرائه وتبدأ دورة استثماره وهكذا تنتهى الحرفة أمام المكسب السريع.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved