سد النهضة.. مجلس الأمن والرهان الخاسر

محمد سعد عبدالحفيظ
محمد سعد عبدالحفيظ

آخر تحديث: الإثنين 5 يوليه 2021 - 12:04 ص بتوقيت القاهرة

لا يمكن وصف تعويل مصر على تحرك مجلس الأمن الدولى ضد التعنت الإثيوبى فى أزمة سد النهضة، إلا أنه محاولة جديدة لـ«حرث البحر» الذى اعتدنا حرثه على مدى عقد كامل من الزمن جرتنا فيه أديس أبابا إلى دوامة من المفاوضات العبثية، فيما هى ماضية فى استكمال مخططها لإتمام بناء السد بإرادة منفردة دون أى اتفاقات ملزمة مع دول المصب.
نوايا مجلس الأمن الذى من المفترض أن يعقد جلسة الخميس المقبل حول أزمة السد الإثيوبى بناء على طلب القاهرة والخرطوم، وضحت فى بيان منسوب للمجلس تداولته وسائل الإعلام قبل يومين جاء فيه: ««لن يكون بمقدورنا حل مشكلة سد النهضة، لكن سندعو الدول الثلاث إلى الحضور وسنشجعها على التفاوض».
تصريحات نيكولا دو ريفيير مندوب فرنسا الدائم الرئيس الحالى للمجلس صبت فى نفس الاتجاه، إذ أكد أن المجلس ليس لديه الكثير الذى يمكنه القيام به بخلاف جمع الأطراف معا للتعبير عن مخاوفهم، ثم تشجيعهم للعودة إلى المفاوضات للوصول إلى حل، «لا أعتقد أن بوسع المجلس أن يفعل أكثر من ذلك».
إذن جلسة مجلس الأمن المنتظرة ستمنح الطرف الإثيوبى مزيدا من الوقت حتى يبدأ الملء الثانى للسد بالشكل والطريقة التى يقدرها، وسواء حجزت أديس أبابا 13.5 مليار متر مكعب من المياه كما أعلنت من قبل أو اكتفت بـ4 مليارات متر كما يروج البعض، فإنها ستكون حققت هدفها بعدم الالتزام بأى اتفاق قانونى على قواعد الملء والتشغيل مع دولتى المصب، وهو ما سيمكنها من تنفيذ باقى مراحل الملء واحتجاز أى كمية مياه، بغض النظر عن الأضرار التى ستقع على مصر والسودان.
الواقع، أن خيارات مصر الدبلوماسية نفدت، بما فيها خيار اللجوء إلى مجلس الأمن الدولى الذى لم يضبط متلبسا بموقف عادل فى قضايانا التاريخية، فضلا عن أن عددا من أعضائه الدائمين يرتبطون بمصالح مباشرة ويملكون استثمارات كبرى فى إثيوبيا تضعهم فى خانة شريك الأحباش.
على سبيل المثال، الصين التى تدين أديس أبابا لها بنحو نصف ديونها الخارجية، تشارك شركاتها بمشروعات ضخمة فى إثيوبيا منها مشروع شبكة كهرباء السد، وهو ما يجعل من الصينين طرفا غير محايد فى تلك الأزمة.
من ناحية أخرى، فالصين باعتبارها من دول منابع الأنهار سيطرت ولاتزال تسعى للسيطرة على الأنهار التى تنبع من أراضيها دون الاعتبار للأضرار التى تقع على جيرانها من دول المصب، أقامت بكين العديد من السدود على الأنهار العابرة لحدودها كى تنفذ خططها العملاقة للتنمية، آخر تلك المشروعات بناء سد ضخم على نهر براهمابوترا، والذى سيصيب الهند وبنجلاديش بأضرار كارثية، بحسب ما أوضح خبراء محايدون.
جمهورية الصين الشعبية ، لن تسمح بترسيخ قاعدة تدخل مجلس الأمن فى نزاعات المياه. أما الأمريكان فرغم تصريحاتهم الوردية عن رفضهم تعطيش 100 مليون مصرى، وتفهمهم لحقوق مصر المائية، إلا أنه لا يمكن التعويل عليهم نظرا لمصالحهم المتقاطعة والتاريخية فى منطقة القرن الإفريقى، بينما موسكو التى ترتبط بعلاقات ومصالح مع أديس أبابا فموقفها لن يبارح مساحة دعوة أطراف الأزمة للعودة إلى التفاوض.
لن يُظهر مجلس الأمن موقفا محددا يُعزز من فرص التوصل إلى اتفاق قانونى ملزم، كما تمنى وزير الخارجية سامح شكرى فى تصريحات متلفزة قبل أيام، وإعلانه «الاستمرار فى الاتصالات الدولية أو التواصل مع الاتحاد الإفريقى» ما هو إلا هدر جديد لعنصر الوقت الذى صار حاسما قبل أن يتحول السد إلى محبس يتحكم من خلاله الأحباش فى شريان حياة المصريين.
«التفاوض مع إثيوبيا لا يجوز أن يستمر إلى ما لا نهاية»، حسبما أعلن الرئيس السيسى خلال افتتاح قاعدة 3 يوليو البحرية صباح أول أمس السبت، فصبر مصر وإن طال لا يمكن أبدا أن يفرط فى حق من حقوق شعبها، بتعبير العميد ياسر وهبة مقدم حفل افتتاح القاعدة.
إذا انفردت إثيوبيا بملء وتشغيل السد، فالإضرار كارثية على كل المستويات، أقلها ما ذكره وزير الرى محمد عبدالعاطى فى مؤتمر دولى عن المياه قبل يومين، «نقص مليار متر مكعب واحد من حصتنا سيتسبب فى فقدان 200 ألف أسرة لمصدر رزقهم الرئيسى فى الزراعة وهو ما يعنى تشرد مليون مواطن من أفراد هذه الأسر»، وأقصاها وأقساها هو رهن قرارنا وإرداتنا لإثيوبيا ومن يقف خلفها.
الأمن المصرى القومى ومستقبل الدولة المصرية وحياة المصريين وكرامتهم معرضة للخطر، لذا فالجميع فى انتظار «غضبة الرياح التى تتحول إلى أعاصير لا تبقى ولا تذر».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved