هل يحتاج الوطن العربى إلى قيادة؟

عمرو الشوبكي
عمرو الشوبكي

آخر تحديث: السبت 4 يوليه 2020 - 9:20 م بتوقيت القاهرة

رغم أن الجدل حول قيادة العالم العربى مستمر منذ عقود إلا أنه لم تستطع دولة أن تلعب نفس الدور الريادي/ القيادى الذى لعبته مصر فى الخمسينيات والستينيات وبدعم كاسح من غالبية الشعوب العربية.
صحيح أن هذا الدور ظل محل نقد ومراجعة داخل مصر وخارجها، وبعد نصف قرن على رحيل عبدالناصر أصبح السؤال المطروح لا يدور فقط حول طبيعة هذا الدور وحجم النجاح ودرجة الإخفاق، إنما فى مدى احتياج العرب إلى قيادة، وإذا كانت الإجابة بنعم يحتاجون لقيادة، فما هو مفهوم هذه القيادة وكيف يمكن أن نعرفها فى ظل تحديات جديدة اختلفت عن تحديات عصر الاستعمار والتحرر الوطنى.

من الدور الريادى إلى القيادى
قيادة مصر للعالم العربى فى منتصف القرن الماضى ارتبط بعاملين اثنين: الأول دورها الريادى فى عملية التحديث وتأسيس محمد على للدولة الوطنية الحديثة فى 1805 وبداية تجربتها شبه الليبرالية عقب ثوراتها الملهمة (1919) وأيضا دورها الثقافى وقدرتها على دمج مهاجرين من معظم بلاد المنطقة أثروا مجتمعها، وكانت جامعاتها مراكز للتأثير العلمى والإشعاع الحضارى فى المنطقة وتخرج منها كثير من قادتها ونخبها السياسية والعلمية، ولعبت صحافتها دورا رائدا فى المنطقة وكانت إحدى أدواتها الناعمة.
وجاءت ثورة يوليو وقيادة عبدالناصر فطورت وفعلت هذا الدور الريادى، ووضعت المخزون التحديثى المصرى فى قالب تحررى عربى قادت به الأمة العربية من أجل الاستقلال والتحرر الوطنى.
وسيكون من الجائر اختزال تجربة عبدالناصر فى هزيمة 67 على قسوتها كما أشار الدكتور عبدالخالق عبدالله فى مقاله الواضح فى الشروق، ونتناسى انتصار 56 الساحق وتجربة التصنيع والتنمية المستقلة وقيادة عصر التحرر الوطنى عربيا وإفريقيا وعالم ثالثيا.
لا يمكن من الناحية الأخلاقية والسياسية مقارنة حق مصر فى تأميم قناة السويس ورفض مواجهة الانقلاب على الوحدة فى سوريا بالقوة العسكرية بغزو الرئيس الراحل صدام حسين للكويت، تحت حجة أن فى كلا البلدين رفعتا شعارات قومية.
ويمكن القول إن القيادة المصرية للنظام العربى (رغم الأخطاء والهزيمة) كانت نتيجة عاملين: مخزونها الحضارى والثقافى وقيادتها لمشروع أصيل هو التحرر الوطنى والاستقلال، هذا المشروع شكل أولوية لكل البلاد العربية ونضالات شعوبها ماعدا دول الخليج العربى التى لم تعرف احتلالا أجنبيا، رغم تأثر كثير من نخبها بخطاب التحرر الوطنى ودعمها لنضالاته العادلة كالدعم السعودى الرسمى والشعبى لمصر فى مواجهة العدوان الثلاثى.
والمؤكد أن العالم العربى قد طوى صفحة التحرر الوطنى ودخل فى عصر جديد، وحتى مصر التى قادت هذه المرحلة دخلت أيضا فى مرحلة جديدة عقب توقيعها على اتفاقية كامب دافيد مع إسرائيل فى عام 1979 وفرض هذا العصر تحديات جديدة جعلتنا نعيد تعريف المقصود بالقيادة.

هل نحتاج قيادة؟

طوى العالم العربى صفحة التحرر الوطنى وحصلت بلدانه المحتلة على استقلالها ودخلت فى تحدى التنمية الاقتصادية والسياسية، أخفقت فى جوانب ونجحت فى أخرى، وتغيرت موازين القوة مع الوفرة النفطية.
صحيح أن بلدان الخليج العربى استثمرت هذه الثروات بشكل أفضل من بلدان مثل ليبيا أو العراق (حدثت تنمية ضاع تأثيرها بسبب الحروب والمغامرات العسكرية) وأسست جامعات ومراكز أبحاث وطورت جهازها الإدارى وشيدت بلد مثل الإمارات دولة قانون حتى لو غاب عنها الديمقراطية لأنه كما يرى كثيرون لا يوجد طلب على السياسة والأحزاب فى بلد حقق وفرة اقتصادية وبنى دولة قانون.
والحقيقة أن تراجع دور مصر الخارجى وتخليها عن فكرة قيادة الأمة العربية يرجع لجملة من الأسباب أبرزها فلسفة كامب دافيد التى قبلت بفكرة استعادة الأراضى المصرية المحتلة فى مقابل التخلى عن حل القضية الفلسطينية أو عدم اعتبارها شرطا لقبول التسوية المصرية الإسرائيلية، ثم جاءت الأزمة الاقتصادية وعدم نجاحها فى بناء نموذج اعتدال ملهم للمنطقة العربية يحقق نجاحا فى التنمية الاقتصادية والإصلاح السياسى.
صحيح أن مصر طوال العقود الماضية لم تنهَر اقتصاديا ولكنها لم تحقق طفرة تضعها فى مقارنة مع بلدان مثل ماليزيا أو كوريا الجنوبية وغيرها، وصحيح أيضا أنها لم تعرف طوال عهودها الجمهورية نظاما «فوق استبدادى» شبيه بما جرى فى العراق وسوريا وليبيا ولكنها فى نفس الوقت لم تبن نموذجا ديمقراطيا ودولة قانون.
والمؤكد أن دول الخليج العربى قدمت نموذج الوفرة الاقتصادية والمساعدات المالية لدول عربية، وأيضا خبرة الكفاءة الإدارية الملفتة فى بلد مثل الإمارات العربية، والجيدة فى باقى دول الخليج، ولكنها حتى اللحظة لم تقدم صيغة سياسية يمكن أن تعتبر نموذجا ملهما للعالم العربى.
سيظل العالم العربى يحتاج إلى قيادة ليس بمعنى الدولة التى تجبر الآخرين على السير فى ركابها، وتدخل فى شئونهم وتتآمر على نظم حكمهم، إنما هى الدولة الأكثر تأثيرا فى محيطها من خلال بناء نموذج سياسى واقتصادى ملهم لشعوب المنطقة دون أن تجبر أحدا على السير خلفها. هذا النموذج الملهم لا يمكن أن يقوم فقط على الوفرة الاقتصادية والثراء المالى مهما كانت أهميته، إنما لابد أن يرتكز أيضا على نموذج سياسى قائم على دولة قانون راسخة تحقق تنمية سياسية وتفتح أفق انتقال ديمقراطى وتواجه الفقر والتخلف الثقافى.

خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved