البنت التي لا تحب اسمها

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 4 يوليه 2019 - 10:15 م بتوقيت القاهرة

عنوان المقال هو لأحدث روايات الكاتبة التركية أليف شافاك، وهي الرواية الصادرة هذا العام عن دار الآداب ببيروت. اسم أليف شافاك له رنين خاص في وطننا العربي منذ ترجمة روايتها الأشهر "قواعد العشق الأربعون" عام ٢٠١٢، وذلك رغم أن النَفَس الصوفي الذي أحبّه القرّاء العرب في "قواعد العشق الأربعون" موجود منذ رواية شافاك الأولى في عام ١٩٩٨ " الصوفي" ومستمر في العديد من أعمالها التالية. نحن إزاء كاتبة غزيرة الإبداع، فمع أنها لا تجاوز الثامنة والأربعين عاما إلا أن لها نحو عشر روايات، والفكرة الرئيسيّة فيها جميعا هي الحق في الاختلاف ورفض الثنائيات. في روايات شافاك تتداخل الأزمنة والمسافات فيتكرر في أدبها المزج بين شخصيات تاريخية وأخرى معاصرة، تلتقي الأديان والحضارات والقوميات، ويصبح تعقد الشخصية الإنسانية مفتاح جمالها. شاهدتها في ڤيديو تلقي محاضرة وتتكلم بمرارة عن اتجاه العالم أكثر فأكثر إلى تنميط البشر وإنكار التعقد في النسيج الإنساني، تشتكي من أولئك الذين ينكرون تعاطفها مع ضحايا العنف والظلم على وجه الأرض دون أن تولي اعتبارا لانتماءاتهم السياسية، فقيم السلم والعدل وفق ناقديها يجب أن تتلون بالسياسة. هذه المحاضرة بالذات جلبت لشافاك مشاكل كبيرة في بلدها تركيا، فلقد باحت فيها عن حياتها الشخصية بما لم تبح به من قبل أبدا، وذهبت بعيدا بعيدا في الدفاع عن حقها في اختياراتها الجنسية.
***
احتفظت أليف شافاك باسمها الأول كما هو أما اسمها الثاني فأخذته من أمها، ولعلها أرادت بإسقاطها اسم الأب أن تعبر عن غضبها منه لأنه تركها وعمرها عام واحد فقط وانفصل عن أمها، نعم هو أورثها بعض چيناته فصارت مثله تحب الفلسفة لكنه حرمها من أشياء أخرى كثيرة . وُلِدَت شافاك في ستراسبورج بفرنسا ثم راحت تتنقل مع أمها من بلد لآخر فقد كانت أمها تعمل في السلك الدبلوماسي، كل بلد زارته كانت تخالط ناسا وتكتشف طبائع وتتقن لغة وتضيف بعدا جديدا لشخصيتها فإذا هي شرق أوسطية أوروبية أمريكية كونية. أحبت كروية الأرض لأن الكرة يسهل احتضانها، وآمنت بالنسبية في كل شيء، درست الچندر والسياسة وقرأت في التاريخ والأدب والتصوف وفلسفة الأديان، وعوّضت أمها المهجورة من زوجها وهي في شرخ شبابها، عوضّتها بشهرة دولية طبّقت الآفاق.
***
نأتي للرواية موضوع المقال، وهي عن صبيّة تركية اسمها زهرة الساردونيا. كان اسم الصبية معقدا وثقيلا على الأذن وكثيرا ما جلب لها سخرية زملائها فوّدت لو غيّرته لكن أبّت أمها. عاشت زهرة الساردونيا وحيدة في مدرستها كما في بيتها، فنادرا ما سألت أمها سؤالا وأجابتها بغير إجابة جافة من نوع "نقطة .. انتهى" أو "لا تجادليني"، حتى أنها قررت أن تضع كل أسئلتها المعلقة في كيس داخل الحمام أطلقت عليه "كيس الأسئلة "، ومن وقت لآخر كانت تخرجه لتسأل الأسئلة التي لا تستطيع طرحها على أمها مثل: ما وزنك ؟ كم عمرك ؟ ..إلخ. عثرت ساردونيا في المكتبة على مجسّم للكرة الأرضية وبه قارة جديدة ثامنة تقع في جزيرة وسط المحيط الأطلسي، هذه القارة عجيبة الشأن فهي أشبه ما تكون بمساحة خضراء مترامية الأطراف، تعيش على استيراد الأفكار من أهل الأرض ثم تعود وتصدّر لهم هذه الأفكار بعد تشغيلها وتحويلها لقصص وشعر وألغاز وموسيقى ولوحات. لا تنتج هذه القارة أفكارا لأن البشر وحدهم هم الذين يبدعون ويوّلدون الأفكار وسكان القارة ليسوا ببشر، هم سَحرة وكائنات شفافة وطيور وأشجار.. كثير من الأشجار. المشكلة هي أن التكنولوچيا سيطرت على الناس وألهتهم عن القراءة والإبداع فقّل ما يصدّرونه من أفكار للقارة العجيبة وأوشكت الحياة فيها على الفناء. تذهب ساردونيا لاكتشاف أسرار هذه القارة العجيبة بصحبة اثنين من الكائنات التي تسكنها، فيواجه ثلاثتهم صعوبات جمّة ويكون عليهم دائما الاختيار بين مسارات ومسالك ودروب كثيرة، يفشل خيارهم مرة تلو الأخرى، ويتسلل اليأس إلى نفوسهم لكنهم في النهاية يصلون بسلام .
***
تحفل الرواية بالكثير من الإيماءات التي تعظّم قيمة الفكر، ليس فقط من خلال تجارة الأفكار بين الأرض والقارة الثامنة إياها، لكن لأن كل شيء في الرواية يعمل بالفكر حتى أن مُجسّم الكرة الأرضية يتم شحنه بالكتب فإذا ما ابتعد عنها ضعفت طاقته. جميل هذا الربط بين الفكر والحياة بحيث إن لم يتجدد الفكر غاضت ماء الحياة. إن هذه القارة الجديدة، التي تتغذى على الفكر وتورق أزهارُها حروفا، تتجلى للقارئ كما لو كانت هي العالم الجديد الذي تحلم به أليف شافاك، عالم لا يخشى فيه أحد من أحد، ولا تخجل من نفسها الكائنات، لا يأس أو إحباط بل انفتاح على تجربة كل جديد. لكن وسط هذه الغابة من الخيال الخصيب يجد القارئ نفسه أمام بعض النصائح المباشرة التي تنمو كأعشاب غريبة بين سيقان الأشجار / الأفكار. وتتكثف هذه النصائح في الجزء الثاني من الرواية عندما تعطي لنا زهرة الساردونيا دروسا عن أنه داخل كل إنسان شخص يفهمه، وعن أنه لا حياة بدون صعوبات، وساردونيا ليست وحدها التي تعظ فالساحرة تعظ والتنّين يعظ وسمكة السلمون أيضا تعظ.

***
إن شئت تصنيف هذه الرواية أقول إنها من وجهة نظري تقع في مكان وسط ما بين أدب الأطفال وأدب الكبار، ففي مغامرات البطلة من أجل الوصول للقارة العجيبة بعضُ من نفحات قصص المكتبة الخضراء. أما الملاحظة الأخيرة فهي في عدم وجود علاقة بين سفر الأب لإجراء عملية جراحية وقيام زهرة الساردونيا برحلتها إلى القارة الجديدة، فالخيال لا يحتاج لإذن بالخروج ولا كانت بطلة الرواية تحتاج لغياب أبويها حتى تطلق لأفكارها العنان .

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2019 ShoroukNews. All rights reserved