هل يمكن أن تلد الكارثة أملًا؟

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: الخميس 4 مارس 2010 - 9:42 ص بتوقيت القاهرة

 من الصعب أن يجد إنسان إيجابيات فى حادث بشع مثل حادث نجع حمادى. فهو بكل المقاييس حادث غير مسبوق فى عنفه وعدم إنسانيته، فالقتل يحدث بطريقة همجية على أناس لا علاقة لهم بالقاتل فى يوم عيد، متجردون من أى سلاح أو نية الدفاع عن النفس، مما أدى إلى خوف على استقرار الوطن واضطراب الأنفس ورفض قاطع من كل مصرى أصيل مهما كانت خلفيته الدينية أو جنسه أو عرقه. إلا أنه بعد مرور نحو شهرين على الحادث وهدوء العاصفة وفى محاولة لتحليل ما حدث، أستطيع القول إن تلك الأزمة أفرزت بعض الإيجابيات والآمال، التى إذا وضعناها كشعب ودولة فى حسابنا سيكون لها أفضل الأثر فى طريقنا للقضاء على هذه الفتنة..

أولا: تدخل رجال القانون من اللحظة الأولى:

عندما نزل المستشار عبدالمجيد محمود إلى نجع حمادى فى ثانى يوم للحادث وتفقد الأماكن وأمر بتحويل القضية إلى محكمة أمن دولة عليا طوارئ كان هذا التحرك يعلن للمصريين جميعا أن القانون هو مظلة أمن للجميع، وكان سبب تفاقم الفتنة الطائفية على مدى الأربعين عاما الأخيرة هو عدم تطبيق القانون.. وتطبيق ما يسمى بالمجالس العرفية، وهذه المجالس تستخدم فى المناطق القبلية، وكانت منتشرة قبل تأسيس الدولة الحديثة وهذه الجلسات ليس هناك مجال لاستئناف أحكامها، وليس فيها مجال لمعاقبة المذنب، إنها مجالس للصلح بين الضارب والمضروب، الجانى والضحية، والنتيجة أن يدفع الجانى دية للضحية أو تعويضا عما فقده، وإذا لم يكن قادرا وهذا فى الغالب الأعم يدفعها عنه غيره أو الدولة.

وهكذا يسير الجانى فى القرية أمام عيون الضحايا بكل ما يحمل هذا من إحساس بالغبن يؤصل شعور الخوف فى النفوس، وزيادة ضراوة محطمى القانون. وكان الجناة فى حادث نجع حمادى يظنون أن هذا ما سوف يحدث، وأن محرضيهم ربما أقنعوهم بأنهم سوف يقومون بدفع التعويض أو الدية.. لكن المفاجأة الإيجابية أن القانون طرح نفسه، على الساحة، وهو ما لم يكن يتوقعه أحد، ولو كان حدث ذلك فى جريمة مثل الكشح أو العياط أو غيرها، لتغيرت الأحداث ولسقط أحد أعمدة الفتنة.

ثانيا: اقتناع الناس بأن الدفاع عن الرب يشعل الوطن

لقد حدث تحول سلبى بغيض بظهور فضائيات الفتنة والدعاة المدافعين عن الرب، ولأول مرة يظهر دعاة متخصصون فى الهجوم على الدين الآخر بأسلوب مستفز يحطم جميع الرموز والمقدسات. وفرح الناس بمثل هذه النوعية من الخطاب الدينى، لسببين الأول: أنهم لم يكونوا معتادين عليها، فكانت بالنسبة لهم أمرا مثيرا أن يسمع كل تابع لدين أمور مخزية عن الدين الآخر؛ والسبب الثانى يتأمل فى ردود أكثر تدنيا على ما يثار من هذه الأمور التى كان من المستبعد ــ بل من المستحيل ــ سماعها من رجل دين، ذلك لان كل الأديان تحض على قبول الآخر، واحترام مقدسات المختلف، وكان الخطاب عادة محترما وعميقا فى الفكر، ولا يتناول الأديان الأخرى.. إلا أن هذه الموجة من الانحطاط فى الخطاب الدينى غازل مشاعر الشعب الذى يعيش عصرا منحطا أدبا وثقافة وتعليما.

وحين دافعت المؤسسات الدينية عن مثل هؤلاء، سواء بنشر كتب تسىء للمسيحية أو رفض محاولة لمنع من يسىء إلى الإسلام، كان الموقف غير حازم من مثل هؤلاء الدعاة على الجانبين، وكان هذا الموقف من قيادات المؤسستين دليلا على أن تلك المواقف مقصودة. وهذا الأسلوب كانت له شعبيته التى لا تخطئها العين سواء على الشبكة الالكترونية أو فى أحاديث الشوارع، وكانت هذه البرامج أكثر البرامج الدينية مشاهدة، وعندما وقعت أحداث نجع حمادى رأيت بعينىّ وسمعت بأذنىّ من الطرفين ممن كانوا يبتهجون بمثل هذه البرامج وهم يرفضون بقوة وبحدة، بل وتحولوا إلى الكراهية لها، ويقولون إن مصر لم تكن هكذا أبدا وأن الدفاع عن الرب بهذا الأسلوب الأنانى الذى يحتقر دين الآخر هو الذى يشعل الوطن، وهذه إحدى الإيجابيات المهمة لحادث نجع حمادى.

ثالثا: تمرد المصريون على قياداتهم الدينية:

قبل حادث نجع حمادى كانت عبارة البركة على رأس الطائع تأخذ مكانتها وقوتها فى وسط الشعب المسيحى، فهم على استعداد أن يطيعوا قادتهم مهما كانت الوصية أو النصائح التى تصل إليهم منهم، وعلى الجانب الآخر كان الشباب المسلم يجلس أمام الدعاة الجدد مأخوذا بأسلوبهم الخطابى وطريقة شرحهم للآيات المقدسة، دون المحاولة للتفكير أو الاعتراض.. حتى إذا تحدث هؤلاء الدعاة عن رفض المسيحى أو غير المسلم على إطلاقه وتكفيره وعدم التعامل معه، وعدم الاحتفال بأعياده أو النظر إليه بأنه ينتمى إلى الغرب فى سلوكه وتوجهاته.

على الجانب الآخر فرح الشعب المسيحى بدخول رهبان متعلمين وحاصلين على شهادات عليا فى الطب والهندسة والصيدلة..الخ إلى الأديرة لأول مرة فى التاريخ، وذلك حتى يكون للكنيسة مثقفيها من رجال الدين. وذلك لان المثقفين المسيحيين كانوا على خلاف مستمر مع قيادات الكنيسة لسببين، عدم تعلم الكهنة، والدور الذى يجب أن تقوم به الكنيسة فى خدمة الوطن. فقد كان هؤلاء المثقفون مصريين قبل أن يكونوا مسيحيين، مما جعل اصطدامهم بالكنيسة واضحا. وكان الشعب المسيحى المتدين يرفض وقوف هؤلاء المثقفون مع المثقفين المسلمين على نفس الأرضية (أرضية الوطن). لذلك استبشر الناس خيرا بهؤلاء الأساقفة الذين خرجوا من الدير إلى مراكز عليا فى الكنيسة، وفرحوا بهم وأطاعوهم طاعة عمياء.

لكن ما حدث على مدى عشرات السنين كان بمثابة صدمة للناس.. فقد قامت أزمة ضخمة بسبب سيدة تنتمى إلى المؤسسة الدينية، ووقفت الكنيسة على قدم واحدة وشجعوا الشباب للقيام بمظاهرة بالآلاف ولم تهدأ الدنيا إلا بعودة هذه السيدة، وأحس الناس أن هناك كثيرات وكثيرين يتركون الإيمان المسيحى ولا تحدث لهم الكنيسة أى ضجة، وأيضا هناك من ينتقل من الإسلام إلى المسيحية ولا تحدث ضجة إلا مع أولئك الذين يعلنون هذا أو يطلبون تغيير الأسماء، أو يقومون بتزوير بطاقات..الخ، وهكذا كانت هناك علامة استفهام معلقة رغم الابتهاج بعودة هذه السيدة المنتمية للمؤسسة الدينية.

لكن عندما وقعت أحداث نجع حمادى وطالب الأساقفة الشعب بالطاعة، وأدرك الشعب كيف أن الأساقفة يدافعون عن المؤسسة وعن أنفسهم أكثر من دفاعهم عن شعبهم، ويغيرون أقوالهم تحت الضغوط ويضغطون على الشباب لتغيير أقوالهم،خرجوا عن الطاعة ورفضوا الخضوع وهتفوا ضد قياداتهم، بل أحسوا أن كبار قادتهم استكملوا الاحتفال بالأعياد رغم أن هناك قتلى ودماء فى الطريق. وكانت هناك توجهات من القيادة الكنسية باختيار رئيس الجمهورية القادم، وبأشياء أخرى كثيرة، إنما الايجابى فى أحداث نجع حمادى أن الشعب المسيحى أمسك إرادته بيديه دفاعا عن مصر،وليس دفاعا عن المؤسسة الدينية، وهذا ــ فى رأيى ــ تحولا ايجابيا نتيجة مأساة نجع حمادى.

رابعا: انكشاف تدنى الأداء السياسى لنواب الشعب:

من ضمن إيجابيات أحداث نجع حمادى أنها كشفت عن مستوى الأداء السياسى والثقافى لنواب الشعب.. واكتشف الشعب أن نوابه ينجحون بطرق غريبة وتحالفات عجيبة سواء مع المؤسسات الدينية أو البلطجية أو كبار الموظفين، أى أن النواب غير مدركين لدورهم الحقيقى لتمثيل الناس، وليس لديهم أى برامج حقيقية تجعل أبناء دوائرهم ينتخبونهم على أساسها أو لرفع مستوى الدائرة بطريقة أو بأخرى، فهم ينتخبونهم إما خوفا أو لالتزامات قبلية وعائلية أو بطرق ملتوية كثيرة. ثم أن المعركة التى حدثت فى المجلس وفى الأسلوب الغوغائى للإجابة عن سؤال غبى يقول هل الجريمة فتنة طائفية أم جريمة عادية؟..الخ... ووقع سب وقذف وهياج بين من يقول أنها جريمة عادية ومن يقول فتنة طائفية. وإذا كانت جريمة عادية فلماذا تحدث الرئيس بعدها عن الخطاب الدينى، وآخرون تحدثوا عن القتل على الهوية وعن ربط الجريمة بجريمة اغتصاب؟...الخ، وكل هذه الجلبة لا معنى لها سوى تضييع الوقت وإلهاء الناس، وانكشاف تدنى الأداء السياسى للنواب.

خامسا: إدراك الدولة لأبعاد وخطورة الأزمة الطائفية

لأول مرة منذ زمن تعلن الدولة أنها تدرك أبعاد وخطورة الأزمة الطائفية. ونحن لا نستطيع أن نجزم أنها لم تكن تدرك ذلك من قبل، لكننا نستطيع القول أنه بعد أحداث نجع حمادى تحرك النائب العام لأول مرة، وتحدث رئيس الجمهورية عن أهمية تطوير الخطاب الدينى أكثر من مرة فى أكثر من مناسبة،ووضحت الجدية لأول مرة فى تناول إمكانية إصدار قانون موحد لبناء دور العبادة ــ وهو الذى أوصى به دكتور جمال العطيفى فى تقرير من أكثر من أربعين عاما. هذه الجدية من الدولة لم تعط الأجهزة التنفيذية فرصة لطرح بدائل كما كان يحدث من قبل مثل جلسات عرفية أو إنكار وجود فتنة. وهذه الجدية من الدولة فى تناول الأمر أحد الايجابيات المهمة لأحداث نجع حمادى..التى نتمنى أن تستمر وأن تتناول اقتلاع أسباب الفتنة من جذورها..وهى واضحة جدا للعيان سواء فى المناهج الدراسية للأطفال والكبار أو فى الإعلام المتطرف أو الخطاب الدينى أو أى أمور أخرى أرجعتنا إلى المجمع القبلى الذى نعانى منه جميعا وعلى جميع المستويات.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved