همسة عتاب

بشير عبد الفتاح
بشير عبد الفتاح

آخر تحديث: الإثنين 3 يناير 2022 - 9:35 م بتوقيت القاهرة

تمضى السنون، وتتغيرالأحول، بينما لا يتوارى عشقى الممتد لماسبيرو. ذلك البنيان الشامخ كالطود العظيم، المختال بإبداعه التليفزيونى الساحر، وتراثه الإذاعى الزاخر، بكل ما ينطوى عليه من رحابة الخيال الدرامى، وروعة التنوع البرامجى، ورومانسية الفن الغنائى. فلا يزال يستوطن وجدانى، من نوادر ذلك المذياع الخشبى العتيق، الذى لازمنى طيلة سنى طفولتى وصباى، وسط المروج الخضراء بريفنا المعطاء، برنامج «همسة عتاب».
فمع ضحى كل يوم، تصدح الإذاعة الأم، شبكة البرنامج العام، بإشعارها المدوى «هنا القاهرة»، متبعة إياه بترنيمة استهلالية من النغمات الموسيقية العذبة، التى يعقبها الصوت الحنون للإذاعية اللامعة صفية المهندس، ثم الأداء المبهر، للفنان القدير رأفت فهيم. ذلك المبدع، الذى لا تفتأ تدوى فى مسامعى عبارتاه الشهيرتان الموحيتان: «فوت علينا بكرة يا سيد»، و«سمعنى سلام عليكم».
خمسة عقود مضت على انطلاق أول «همسة عتاب» تبث شكاوى المواطنين، وزفرات أصحاب الحاجات، عبر أثير الإذاعة، من وطأة البيروقراطية المفرطة، التى أعيت الملايين وكبلت الأداء الحكومى. أما اليوم، فيراودنى، فى زمن العولمة، وثورة الاتصالات، وطفرة التكنولوجيا الرقمية، حنين جارف إلى تعبيرات العبقرى الراحل، ليعاود الهمس من جديد معاتبا، بعبارتين موجعتين: «السيستم عطلان»، أو «الشبكة واقعة». تلكم اللتين تنبعثان من رحم الإرهاق الالكترونى، الذى يعيق سلاسة الأداء الرقمى، ويقوض استدامته. ليس على مستوى غالبية أجهزة الدولة فحسب، وإنما على صعيد جل مؤسسات القطاع الخاص.
فمن البنوك، إلى مكاتب البريد، وشركات الاتصالات، التى تشمل شبكات الهاتف الأرضى والمحمول، وخدمات الإنترنت، مرورا بمأموريات الشهر العقارى والسجل المدنى، وصولا إلى الجامعات وإدارات المرور، وغيرها. لا تكاد تقصد أى منها، مبتغيا استخراج مستند، أو إتمام أمر ما، إلا وتسقط فى براثن التأخير، أو يلاحقك الفشل أحيانا، فى إنجاز مهمتك، بذريعة تعطل نظام العمل الإلكترونى الرقمى المميكن، لأسباب خارجة عن إرادة الموظف المختص. وما إن تستعلم عن موعد استعادة النظام لعافيته، حتى ينصحك المجربون والعالمون ببواطن الأمور، بالانصراف والعودة فى اليوم التالى. حيث تشى خبراته المؤلمة مع العمل اليومى، بتضاؤل فرص عودة الشبكة العنكبوتية، واستئناف العمل مجددا فى نفس اليوم.
ابتغاء تحقيق مبادئ وأهداف التنمية الشاملة والمستدامة، أطلقت الحكومة فى فبراير 2016، «رؤية مصر 2030»، التى تشمل بناء مصر الرقمية، عبر رقمنة دواوين الدولة بالكامل، لتدار من خلال منصات خدمات حكومية رقمية شاملة، ترسى دعائم الحكومة الإلكترونية، التى تستخدم الشبكة العنكبوتية العالمية. الأمر الذى يكفل بلوغ غايات شتى أبرزها: توفير المال والجهد والوقت، وتعزيز الكفاءة الحكومية، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد، من خلال اعتماد الابتكار والتقنيات المتقدمة لتصميم حلول متطورة لرقمنة الخدمات والعمليات المقدمة للأفراد وقطاعات الأعمال. فضلا عن ترسيخ قيم الشفافية، والسرعة، والدقة فى الأداء الحكومى، وإتاحة المعلومات فى متناول الأفراد. علاوة على مواكبة ركب التطور التقنى العالمى، وتقليص التدخل البشرى فى عمل الحكومة، وتفكيك دورة الروتين والبيروقراطية الإدارية المقيتة. ناهيك عن مكافحة الفساد، عبر تقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن والكادر البشرى الإدارى، بما ينهى المدفوعات غير القانونية، من رشاوى، أو عمولات، وخلافه. ومن شأن ترسيخ مبدأ المدن الذكية، أن يكفل تسهيل حياة الناس، بتقديم خدمات أسرع وأفضل، والمساهمة فى إنشاء وتطوير قاعدة البيانات القومية الموحدة، اللازمة لدعم واتخاذ القرار، على نحو آمن وسريع.
بدورها، ضاعفت جائحة «كوفيدــ19»، جهود الدولة لإرساء دعائم التعليم عن بعد، أملا فى تخفيف الضغوط على المدارس المنهكة، ومعالجة أزمة تكدس الفصول الدراسية، والتحايل على معضلة العجز المروع فى أعضاء هيئة التدريس. ورغم ذلك، يعانى الطلاب والمعلمون، والعاملون معهم من موظفين، كما أولياء أمور، عدم قوة البنية الرقمية، إلى حد يقوض استدامة المنصات الالكترونية المستخدمة. ولسنا فى حاجة إلى التذكير بما لحق بالامتحانات فى مراحل دراسية عديدة من إشكالات، إن بسبب التحديات المصاحبة لاستخدام جهاز «التابليت التعليمى»، أو بجريرة تعطل أنظمة الامتحانات، أو تسريب أسئلتها، أو ارتباك أعمال التصحيح، أو حدوث أخطاء فى عمليات رصد النتائج.
تكاد تجمع العديد من البحوث العلمية الحديثة، على كفاءة الاقتصاد الرقمى، وتحقيقه إنجازات مدوية، سرعان ما يلمسها المواطن العادى فى بلاده، كما تنعكس بالإيجاب على الاقتصاد العالمى برمته. إذ تتيح الرقمنة إنجاح عملية التنمية المستدامة، عبر تقديم جميع المعلومات الممكنة لتنشيط منظومة الاستثمار فى الدولة، وبناء نهضة صناعية، تستند على قاعدة بيانات تتسع لتوطين التكنولوجيات الحديثة؛ من خلال توفير التدريب الفنى المتطور، لبناء القدرات التكنولوجية فى مجالات الذكاء الاصطناعى، وعلوم البيانات، وإنترنت الأشياء. إضافة إلى زيادة سرعة أداء الخدمات وكفاءتها، وتطوير الابتكارات والحلول التى يحتاجها المجتمع، وتحسين أساليب وآليات العمل الإدارى والحكومى.
مرارا، أكد الدكتور، محمد معيط، وزير المالية، أن المشروع الاستراتيجى للرقمنة، يعد أكبر ضمانة لتعزيز الحوكمة، وتحسين إدارة موارد الدولة، إذ يُسهم بشكل فعَّال فى ميكنة الخدمات العامة المُقدمة للمواطنين، وتيسير الحصول عليها بقيمتها الفعلية دون تحميلهم أى أعباء إضافية، وترسيخ دعائم الشفافية وتكافؤ الفرص بين الناس. غير أن السؤال الأبرز الذى يطرح نفسه بقوة، فى هذا الصدد: إلى أى مدى كانت مؤسسات الدولة، ورأسمالها البشرى، الذى يشمل الطواقم الإدارية والفنية، وكذا بنيتها التحتية الإلكترونية، ممثلة فى طاقتها التكنولوجية، مؤهلين جميعا، وبالقدر الكافى، لإنجاح تلك المهمة، وخروجها على الوجه الأكمل فى المدى الزمنى المطلوب؟!
وثابة هى الخطوات التى اتخذتها الدولة على درب الرقمنة. ولعل أوقعها أثرا، إصدار قانون حماية البيانات الشخصية لدعم صناعة البيانات، بالتزامن مع المضى قدما فى تهيئة بنية تحتية قوية، تضم كابلات ألياف ضوئية تطوى الأراضى والمياه المصرية. وفى أبريل الماضى، أعلن وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات دكتور عمرو طلعت، أن عدد الخدمات الحكومية المرقمنة سيصل إلى 200 خدمة بنهاية العام المنقضى، على أن تنتهى جميع أعمال الرقمنة للخدمات الحكومية جمعاء بحلول العام الجارى. من جانبه، أكد وزير المالية، د. محمد معيط تخصيص ١٢,٧مليار جنيه بميزانية العام المالى الحالى، لمشروعات التحول التدريجى إلى «مصر الرقمية». وبعدما أشاد بالإسهام الحيوى لمنظومة الدفع والتحصيل الإلكترونى فى توفير التأمين المتكامل للبيانات والعمليات المالية المتبادلة بين الهيئات والمؤسسات الحكومية مع القطاع المصرفى، أثنى على ما تمتلكه المنظومة من بنية تحتية إلكترونية مزودة بأحدث التقنيات العالمية، التى توفر شبكة مشفرة لإتاحة التحصيل والدفع الإلكترونى الآمن، بواسطة شتى المنصات الإلكترونية، على مستوى القطاعين العام والخاص. وأعلن الوزير يوم السابع من مارس المقبل موعدا نهائيا للجهات المُخاطبة بهذا القانون ولائحته التنفيذية لتوفيق أوضاعها، وإتاحة إحدى وسائل الدفع غير النقدى للمتعاملين معها فى جميع منافذ تحصيل مقابل الخدمات بغير تكلفة إضافية.
غير أن جوانب قصور عديدة، ما برحت تعترى البنية التحتية التكنولوجية اللازمة لرقمنة الدولة المصرية، حتى بدت وكأنها لم تكن مؤهلة، بما يكفى، لاستيعاب خطة الدولة الطموحة بهذا الخصوص، وفقا للجدول الزمنى القياسى، الذى وضعته الحكومة. وربما يفسر ذلك الخلل، بطء وتيرة الأداء الرقمى فى المدن الكبرى، وتعثر جهود الميكنة فى المحافظات الريفية والنائية. وقد بدا جليا أن إنجاز الرقمنة، لتكون عمادا للتنمية المستدامة، يتطلب بنية تحتية الكترونية مواتية، وعنصرا بشريا مؤهلا، ورؤية استراتيجية تتيح استخدام تكنولوجيا تكفل أفضل سعة تخزينية لوسائط حفظ البيانات الضخمة بأجهزة الكمبيوتر، وفقا لأعلى درجات الأمان ضد التلف، أو فوضى الفضاء السيبرانى، ممثلة فى الابتزاز الالكترونى، أو الاختراق، أو القرصنة عبر البرمجيات الخبيثة. بالتوازى مع بلورة إطار قانونى وتشريعى ناظم لذلك التطور، ومتواكب معه.
قبل انقضاء العالم المنصرم، حثت، كريستالينا غورغييفا، مدير صندوق النقد الدولى، صناع السياسات حول العالم، على تجنب ما أسمته «تجزئة الاقتصاد الرقمى»، بما يُفقد الناتج الإجمالى العالمى ما بين 3 و 6 % من إجماليه خلال العقد المقبل. كما يشكل أداة ضغط على الدول الفقيرة، تجبرها على الارتداد إلى مزيد من العزلة والانزواء. الأمر الذى سيفضى إلى اصطدام العالم، بما وصفته، بـ«جدار برلين رقمى»، تتبنى خلاله قوى دولية عظمى كالولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبى، والصين، معايير تكنولوجية متباعدة، تتمخض بدورها عن ارتفاع الأسعار، وخفض الابتكار، وتدنى مستوى الخدمات. وقد يزيد هذا السيناريو أيضا من هيمنة عمالقة التكنولوجيا، وتقويض جهوزية الشركات الصغيرة والاقتصادات الناشئة للمنافسة بالمعترك التجارى الدولى. ولعل هذا ما مهد السبيل لبروز مطالبات بتدعيم التوجه الاقتصادى العالمى، الهادف إلى ترويض الاحتكارات الرقمية، وإخضاعها للنظام الضريبى، وكف يدها عن إفساد الديمقراطية، والعبث بمقدرات الشعوب، وتشويه منظومة التجارة الدولية.
أما وقد غدت الحال هكذا، فلا سبيل أمام مصرنا الأبية، لمجاراة موجة التطور الرقمى العالمى، إلا بمراجعة المسيرة ومعالجة ما يعتريها من جوانب القصور. فلكم تحتاج تجربتنا الطموحة فى عصرنة الإدارة، إلى تدعيم البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتحسين الخدمات السيبرانية فى عموم الجهات الحكومية، مع الارتقاء بأداء العنصر البشرى، بمختلف الأجهزة والمؤسسات، ورفع جودة وكفاءة الخدمات من خلال تطوير بيئة العمل.
وتظل السياسة الرقمية الناجحة، صنوا لتوثيق عرى التنسيق والتناغم المتواصلين، بين الهيئات الإدارية جميع، على صعيدى العمل السياسى والفضاء السيبرانى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved