مصر بين عامين وأزمتها فرصة

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: السبت 4 يناير 2014 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

عادة فى المحن نشعر بالحزن والألم والضيق ولا نرى سوى الجانب المظلم من الصورة والنصف الفارغ من الكوب، لكن علماء النفس والاجتماع والتاريخ يحدثوننا أن الأزمة فرصة، فكلما استشرت الأزمة كانت هنالك فرصة لتقييم الذات والواقع والكشف عن عيوبنا ومحاولة تصحيحها ونحن نكتشف ذلك على المستوى الفردى والجماعى حيث كان من المستحيل أن نتعرف على نقائصنا فى الظروف الطبيعية، أما عندما تتحول البلاد إلى حالة من السيولة والضعف، هنا فقط نكتشف معظم نقاط ضعفنا ونستطيع ونحن نتألم أن نحدد طريق المستقبل بطريقة أكثر دقة، ويتساءل البعض هل للفوضى التى نعيشها والدم المسال فى الشوارع والارتباك الواقع عند أصحاب القرار فائدة أو فرصة للتصحيح؟ وأستطيع أن أجيب نعم هناك فوائد وفرصة للتصحيح.

•••

لا شك أن الفوضى التى بدأت وبقوة بعد ثورة 25 يناير واستمرت حتى اليوم أوضحت أننا شعب غير قادر على استكمال أى مشروع حتى نهايته. نحن شعب يعيش بين الفشل والنجاح، بين القدرة والعجز. نفتخر بتاريخنا ولا وضوح لمستقبلنا، والذى يؤيد ما أقوله أننا فى 25 يناير كان النجاح مبهرا فى 18 يوما، لكن أيضا كان الفشل واضحا بعد ذلك فى قيادة المجلس العسكرى المتخبطة ولنراجع معا محاولة دفاعهم عن أخطائهم وعرضهم لأفلام مبتورة وعدم قدرتهم على التبرير، وكل ذلك أوصلهم لتسليم الحكم لأعدائهم التاريخيين.

ومن العجز القول أن أمريكا هى السبب. ثم جاءت دولة الإخوان المتكاملة الأركان، لكنها فشلت فى خلال عام واحد ولا يستطيع أحد أن يدعى أن هذا الفشل مؤامرة خارجية أو عربية أو داخلية، لأن الإخوان عندما وصلوا للحكم كان معظم الشعب المصرى متفائلا بحذر والبعض يخشى من نجاحهم لئلا يبقوا فى الحكم إلى ما لا نهاية. لقد كان الخوف من نجاحهم أكثر من الخوف من فشلهم. وسمعنا القول أنهم أكثر القوى تنظيما على الأرض، وأن دولا عالمية سوف تعضدهم وتقف بجانبهم فضلا عن دول عربية سوف تمولهم، وسمعنا عن مائتى مليار دولار فى الطريق، ومع ذلك دولة الإخوان انهارت ليس تحت وطأة المطارق الخارجية ولا المطارق الداخلية، لكن تحت وطأة عدم القدرة على حكم البلاد واهتزاز الثقة بالنفس، واتخاذ السلطة فرصة للانتقام من أعدائهم السياسيين وظهروا كأنهم قبيلة أرادت أن تحكم دولة عريقة تاريخها سبعة آلاف عام، وبعد 30 يونيو.

•••

وفى الفترة الانتقالية أيضا أثبتنا أننا لم ننجح ولم نفشل فمن الغريب أن يستقيل نائب رئيس الجمهورية والذى كان مرشحا كرئيس للوزراء ذلك الذى كان يوما أيقونة الثورة د.محمد البرادعى، وأن ينقسم التيار الليبرالى على نفسه، وأن ينكشف بعض الثوار من الشباب الذين قاموا بالثورة بأنهم يعملون لأجل قوى خارجية، وأن يتحول الإخوان إلى معارضة دموية، ولولا الفوضى التى نعيشها لمَا اكتشف الشعب كل ذلك، وكان يمكن للإخوان أن يستمروا فى خداع الشعب ويصير قادتهم أبطالا وطنيين وكان يمكن للثوار أن يظلوا أنشودة رائعة فى عيون وآذان الشعب وهم يعلمون فى أنفسهم أن ما فعلوه فى 25 يناير لم يكن لوجه الله، وكان يمكن، لطلبة الأزهر وبعض أساتذتهم وعلماء الإسلام أن يظلوا رمزا للتقوى والورع وأدب الإسلام.

لكن كل ذلك وغيره انكشف بسبب الفوضى التى تعيشها مصر وهذا بلا شك من أهم فوائد الأزمة التى تدعونا وبقوة لتصحيح الموقف.

•••

لا يستطيع إنسان أن يقول بأن الدم المسال فى الشوارع له فائدة، لكن هذا الدم يصرخ فى وجوهنا بأن هناك اختراقا فى منظومة الشرطة، وأن من رجال الأزهر من يكره الدور الذى يقوم به، وأن هناك فى الجامعة من يعتبر التعليم القادم من الغرب غزوة استعمارية، وأن بعض الأقليات يعتبرون أنهم مستعمرون من الأكثرية والبعض الآخر منهم على العكس من ذلك حيث يلقى بنفسه فى أحضان من يكفرهم مادام يقوم بتمويلهم، وعلى بعض القنوات الفضائية تجد بانوراما عجيبة، أزهريون يهاجمون الأزهر، أساتذة جامعات مصرية يهاجمون بلدانهم من الخارج، ومسيحيون يشجعون على الإرهاب والتطرف ويشمتون فى حرق وهدم الكنائس!! ولم يكن الشعب المصرى الأصيل يستطيع أن يكتشف مثل هؤلاء لولا الدم الذى أسيل، ولم يصبح المسيحيون تاريخيا رقما فى المعادلة المصرية كما هم الآن، وكل ذلك تم بسبب الدماء التى سالت من الجميع بلا تفرقة فأيقظت الشعب النبيل الطيب من سباته وأظهرت معدنه الأصيل على اختلاف أطيافه وتمسكه بأرضه.

•••

إن الارتباك الواقع عند أصحاب القرار أوضح للشعب المصرى أنه قد فقد على مدى السنين الكوادر السياسية والتى لها القدرة الحقيقية على إدارة البلاد، وأن أصحاب القرار اليوم يبدون وكأن لا خبرة حقيقية لهم فى مثل هذه الأمور، ولقد وضح ذلك جيدا فى كل من تولى السلطة منذ اندلاع ثورة 25 يناير سواء كان عسكريا أو مدنيا رئيس وزراء أو رئيس جمهورية.

لا شك إن مصر مليئة بالقيادات القادرة لكن هذه القيادات ليست من هوايتها أن تعرض ذاتها على المسئولين ثم لأنها تشعر بالكفاءة فهى لا تتطلع إلى مثل هذه المناصب فيبدون بين المتطلعين للمناصب والذين يركضون خلفهم فئة «دمها ثقيل» وإذ أتطلع معك لعام 2014 أرجو أن تتوقف الفوضى والدم المسال وارتباك القيادة وليكن 2014 عام التصحيح والاستقرار وبداية الطريق نحو دولة متكاملة الأركان دستورا وبرلمانا ورئاسة (قول يا رب).

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved