حوار مفتوح - من يقود الأمة نحو عمل عربى مشترك؟ .. قيادة الأمة خليجية حتى إشعار آخر

عبدالخالق عبدالله
عبدالخالق عبدالله

آخر تحديث: الأحد 7 يونيو 2020 - 12:51 ص بتوقيت القاهرة

كلمة "الشروق"

في مواجهة التحديات والعقبات التي تمنع انطلاق مرحلة إيجابية جديدة في العمل العربي المشترك، دعت "الشروق" عددا من الكتاب والمفكرين والمتخصصين العرب لإجراء حوار بشأن الشروط التي يجب توافرها في دولة أو ائتلاف عربي، يتولى مهام القيادة في النظام العربي ويتغلب على هذه التحديات. وكان أول من استجاب لدعوتنا المفكر العربي الكبير ووزير التربية والتعليم الأسبق في دولة البحرين الدكتور علي فخرو.
وبطبيعة الحال فإن الآراء المنشورة في سلسلة مقالات "حوار مفتوح - من يقود الأمة نحو عمل عربي مشترك؟" تعبر عن اصحابها فقط وليس عن وجهة نظر "الشروق".

 

هذه لحظة الخليج فى التاريخ العربى المعاصر، وإن كانت هناك مجموعة من الدول قادرة وراغبة فى قيادة الأمة العربية فى هذه الظروف العصيبة فهى دول الخليج العربى، خاصة السعودية والإمارات بالتنسيق مع مصر والأردن. دول الخليج العربى لم تتنطع لقيادة أمة منهكة، فالراية والقيادة جاءت للخليج طوعا ومهرولا، وقد جاءت لتبقى حتى إشعار آخر، لتحقق مشروعا حضاريا ونهضويا وتنمويا عربيا طال انتظاره.
لقد تجرعت الأمة العربية إخفاقات وهزائم متكررة بسبب قيادات زعامية وأحزاب مؤدلجة وحكومات رفعت شعارات غير واقعية تدغدغ مشاعر شعوب محبطة كشعار الوحدة العربية، وتحرير فلسطين وهزيمة الرجعية والامبريالية. فشلت تلك القيادات والأحزاب فشلا ذريعا فى تحقيق شعاراتها الجوفاء. لذلك فإن أكثر ما تحتاجه الأمة حاليا هو خطاب تنموى ونهضوى واقعى يحقق الحد الأدنى من الحياة الحرة والآمنة والكريمة والمستقرة فى بوتقة الدولة الوطنية. مثل هذا المشروع التنموى الوطنى الواقعى هو ما يمثله الجزء الخليجى الصاعد فى الفضاء العربى.
***
لقد تولت مصر قيادة الأمة فى لحظة من لحظات الزعامة الكرزماتية التى تبنت خطابا قوميا فضفاضا اتضح فشله، وانتهى بنكسة 1967. بدأت مصر بعد ذلك تراجعها وانتهى دورها القيادى بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد. مصر هى قلب الأمة لكن قلب الأمة منشغل حاليا وعن حق بأوضاعه الداخلية وبما أسماه الدكتور عبدالمنعم سعيد «الكمون الاستراتيجى» الذى قد يستمر لعقدين قادمين.
وفى لحظة تاريخية خاطفة حاول العراق القيام بدور قيادى لكن البديل العراقى بقيادة حزب قمعى لم يكن مقنعا لشعوب المنطقة. فقد بعثر الحاكم البعثى موارد العراق وادخله فى مغامرات خارجية مهدت لغزوه أمريكيا سنة 2003. لم يكن العراق فى حينه بمستوى القيادة وهو اليوم أبعد ما يكون من ممارسة أى دور قيادى خاصة أن نخبته السياسية الطائفية قررت الابتعاد عن المحيط العربى واستسلمت للنفوذ الإيرانى.
وفى لحظة أخرى برزت سوريا بطموح قيادى فى ظل نظام فردى بالغ فى احتقار شعبه الذى انتفض ضده. لجأ النظام البعثى فى سوريا للعنف المفرط الذى ولد بدوره عنفا مضادا وحربا أهلية دخلت عامها التاسع وفتحت شهية تدخلات قوى إقليمية توسعية تشارك الآن فى تفكيك سوريا التى ليس فى الوارد أن تستعيد أى دور قيادى عربى خلال المستقبل المنظور.
أما دول المغرب العربى المعروفة بأكفائها على مغاربيتها، فلا تملك مقومات قيادة الأمة حاليا. فمثلا تعانى ليبيا من حرب أهلية طاحنة وتدخل تركى سافر. وتونس تستكمل مسيرة تحولها الديمقراطى ببطء. والجزائر متعب بعد احتجاجات شعبية هزت أركان نظام الحزب الواحد الذى استفرد بالحكم لنحو ستة عقود. أما المغرب فقد حصن نفسه ضد قوى الفوضى والتطرف، وقرر أن يولى وجه شمالا نحو أوروبا، وجنوبا نحو أفريقيا، وليس شرقا نحو عمقه العربى.
***
فى ظل انكفاء الكل العربى، برز الجزء الخليجى الغنى والمستقر والمزدهر نسبيا، ليس تنطعا بل كالطرف العربى الأقدر والأجدر لحمل الراية والقيادة والمسئولية نيابة عن بقية دول المنطقة التى دخلت قائمة الدول الهشة والفاشلة والعاصرة.
دول الخليج العربى التى كانت حتى وقت قريب تعيش على هامش القرار العربى هى اليوم مركز الثقل العربى الجديد، وتعيش لحظتها فى التاريخ العربى المعاصر. هذه ليست لحظة المشرق العربى ولا لحظة المغرب العربى وليست لحظة مصر ودول حوض النيل بل هذه لحظة الخليج. الفراغ العربى الرهيب يحتم على هذه الدول، خاصة الإمارات والسعودية، القيام بدور قيادى كواجب قومى. هذا الدور القيادى الخليجى بقدر ما يرتبط بالفراغ الاستراتيجى، نابع أيضا مما تملكه دول الخليج من قدرات وإمكانيات وعلاقات وقيادات واثقة من نفسها وتحمل رؤية إصلاحية منفتحة على العالم والعصر، جعلت الخليج مركز الثقل الاقتصادى والسياسى والدبلوماسى والإعلامى وحتى الثقافى والإبداعى العربى.
فأينما ولى المواطن العربى وجهه اليوم سيجد شاهدا من شواهد لحظة الخليج التى تعنى أن الجزء الخليجى يؤثر فى الكل العربى أكثر من تأثير الكل العربى فى الجزء الخليجى، وأن الخليج أصبح مصدرا للنفوذ بعد أن كان مستوردا له حتى وقت قريب، وأن نفوذ ست دول خليجية يفوق نفوذ ست عشرة دولة عربية، وأن وزن الخليج العربى وثقله يوزاى وزن وثقل البقية الباقية من دول المنطقة. بل أكثر من ذلك فإن حضور ونفوذ أصغر دول خليجية أصبح أقوى من حضور ونفوذ أكبر دولة عربية فى الشأن العربى.
هناك موازين قوى عربية جديدة دفعت الكل العربى أن يسلم قيادته طوعا أو كرها للجزء الخليجى حتى إشعار آخر. قيادة الأمة خليجية ليس بالتمنى بل وفق معطيات وشواهد على أرض الواقع. هذا الدور القيادى الخليجى لا علاقة لها بالنفط وحده، بل ببروز اقتصاديات خليجية ضخمة ما بعد النفط، وصناديق سيادية خليجية هى الأضخم فى العالم، وشركات خليجية تعتبر من أكبر الشركات العابرة للقارات، وقيادات خليجية إصلاحية طموحة، ومدن خليجية ببنية تحتية وتشريعية واجتماعية متقدمة على أكثر المدن تقدما، استطاعت خلال عقدين أن تتحول إلى مراكز مالية ولوجستية تنافس مراكز المال والأعمال فى العالم. لكن أبرز معالم لحظة الخليج هو عملها كمجموعة متجانسة ومتعاونة خرج من رحمها مؤخرا تنسيق سعودى إماراتى يسعى بالتعاون الوثيق مع مصر استعادة الاستقرار والاعتدال لمنطقة عربية دخلت نفق الفوضى واختطفت من قوى غلاة الأمة.
دول الخليج العربى لا تتنطع لقيادة الأمة، فالقيادة مسئولية وليست وجاهة، وتأتى عن جدارة واقتدار وبالتزامن مع تحولات فى موازين القوة. فالجزء الخليجى هو عملاق اقتصادى وسياسى وإعلامى ومعرفى. والرياض وليست القاهرة مركز الثقل السياسى العربى الجديد، وأبوظبى وليست دمشق مركز الثقل الدبلوماسى العربى الجديد، ودبى وليست بيروت مركز الثقل الإعلامى واللوجستى العربى الجديد، والدوحة وليست أى مدينة عربية أخرى تود أن تكون مركز الثقل التعليمى العربى الجديد.
لحظة الخليج تنمو وتنضج فى رحم حالة خليجية مشرقة، قد تتحول إلى لحظة حضارية عربية واعدة، والقيادة الخليجية هى فرصة تاريخية للوطن العربى بشرقه وغربه ليجدد الأمل والعمل بمشروع نهضوى وإنمائى عربى طال انتظاره.

 

اقرأ أيضا

عماد الدين حسين يكتب: ردا على عبدالخالق عبدالله.. قيادة الأمة لمن؟

مقالات سلسلة "حوار مفتوح - من يقود الأمة نحو عمل عربي مشترك؟"

علي فخرو

أحمد عبد ربه

سيد أبو زيد

محمد عبدالمنعم الشاذلي

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved