هل تتألم البلدان؟

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: الجمعة 2 أبريل 2021 - 8:50 م بتوقيت القاهرة

من المعروف والمقبول والعلمى هو أن الكائن الذى يتألم هو الكائن الحى، إنسان، حيوان، طير، حشرة، برمائيات، أسماك.. إلخ، أما الجماد الذى ليس له جسد حى فكيف يتألم؟! والسؤال هنا هل هناك كيانات يمكن أن تجمع بين الجماد والكائن الحى؟! وهنا أستطيع أن أقول وبكل يقين نعم، فهناك أماكن جامدة ليس بها روح كالإنسان أو الحيوان أو الطير، أو ما هو على نفس النسق، لكنها أماكن عندما تزورها تشعر بتعاطف معها، بل تحِس أن هذه الأماكن ليست غريبة عليك وكأنك رأيتها من قبل أو عشت فيها، وهنا يحدث لك نوع من العلاقة الحميمة معها، وتشعر أن هذا المكان جزء من حياتك وذكرياتك تحرص على زيارته بعد ذلك أو تشعر بالحنين له من وقت لآخر، ويمكن أن يبقى هذا الحنين طوال العمر دون أن تعرف كنهه، لكنك تتعلق به كما تتعلق بإنسان جميل حبيب قريب إلى نفسك.

بخبرة شخصية بعد أن تخرجت من الدراسات العليا جاءتنى منحة للدراسة بسويسرا وسعدت جدا بذلك لأنى قرأت أن سويسرا من أجمل بلدان العالم، وقبل السفر بأسبوع حَلمت بأنى أجلس فى حديقة عامة تتوسطها بحيرة، وفى وسط البحيرة نافورة جميلة رائعة، واستيقظت وبالطبع نسيت الحلم تمامًا، لكن بعد نزولى جنيف عاصمة سويسرا وجدت فى استقبالى بالمطار سائقا من المعهد الذى سأدرس فيه، وكان المعهد يقع فى الريف السويسرى الخلاب (الجميل بزيادة)، وللصدف كان علىَّ أن أنتظر فى المطار وصول طالب آخر قادم من دولة أخرى وطائرته ستصل بعد ساعتين، فاقترح علىّ السائق ــ بدلًا من أن أجلس فى المطار ــ أن يصحبنى إلى حديقة جميلة فى جنيف قريبة من المطار يمكن أن أنتظر فيها وهو يعود للمطار لاستقبال القادم، ثم يمران علىّ فى الحديقة ليلتقطونى ونستكمل المسيرة حتى المعهد والذى كان موقعه فى الريف السويسرى الفاتن الجمال، وبمجرد دخولى الحديقة منفردًا لفت نظرى بشدة البحيرة والنافورة، وأحسست إحساسًا قويًا إنى كنت فى هذا المكان يومًا ما، لكنى أيضًا كنت متأكدًا أن هذه الزيارة هى الأولى لى إلى جنيف، وبعد تركيز شديد منى تذكرت أنى زرت هذا المكان فى حُلم، فقد حَلمت بالمكان بكل تفاصيله، بالطبع هذه خبرات شخصية يقول عنها علم النفس إنها لا تُعمم، وأحيانًا تُكرر مع نفس الشخص أو لا تُكرر أبدًا، وأرى أيضًا أن شعوب البلدان كجماعة إنسانية لديها أماكن تعيش فى ذاكرتها حية لأنها حَفرت شيئًا فى تاريخها ودائمًا تستحضرها، وذلك لأن الحدث كان قويًا ومؤثرًا فى الجماعة لحظة أو زمن حدوثه.

***

من هذه الأماكن التى تحرك مشاعر وأحاسيس الإنسان المصرى قناة السويس، فقناة السويس كيان حى ولد فى عهد الخديوى سعيد حيث دشن ديليسبس حفر قناة السويس أبريل 1859م وانتهى العمل بها فى عهد الخديو إسماعيل فى مايو 1869م، وقد دفع ثمن حفرها المصريون خاصة شبابها النقى بالسخرة، وأراد الخديو إسماعيل أن يكون الاحتفال عالميًا فقام بإنشاء دار الأوبرا خصيصًا للاحتفال بافتتاح قناة السويس، ودعا الإمبراطورة أوجينى إمبراطورة فرنسا فى ذلك الوقت لافتتاحها، وقد كان افتتاحها حدثًا عالميًا عظيمًا‏، وهكذا ولدت قناة السويس ككيان حى، له تاريخ مستمر على طول الزمان وحتى اليوم، ومن أهم ما فى هذا التاريخ كان تأميم جمال عبدالناصر القناة عام 1956م بعد أن كانت تحت رعاية المستعمر الإنجليزى، وهكذا كانت قناة السويس سببًا فى العدوان الثلاثى على مصر (إنجلترا وفرنسا وإسرائيل) فى نفس عام التأميم. لكن فى ذلك الوقت كانت أمريكا تحاول مغازلة الشباب الحاكم فى مصر فأمرت بانسحاب العدوان الثلاثى لتكسبهم، لكن القصة لم تنته بعد. ففى حرب ١٩٦٧م وصلت القوات الإسرائيلية إلى شاطئ القناة الشرقى، وبالتالى أغلقت القناة حتى وقعت حرب ١٩٧٣م. ومن خلال ملحمة الحرب، وعبور الجيش المصرى للقناة، وتحرير الضفة الشرقية عادت سيناء كاملة بعد مبادرة السادات وتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، من هنا كانت حياة وحيوية قناة السويس، إنها كائن حى ولد وكبر وترعرع والمصريون جميعًا يتفاعلون معه.

***

لذلك عندما غرزت السفينة العملاقة Evergiven (عطاء بلا حدود، أو عطاء أبدى) تم غلق القناة، وهنا تعاطف معظم المصريين مع قناتهم وكأنها ابنتهم تعيش فى أزمة، كل البيوت اهتمت بهذا الأمر، فابنتهم مريضة تحتاج إلى علاج، ولم يكن هناك حديث فى منزل أو شارع أو على المقاهى أو الإذاعة والتلفزيون، أو الشباب والعجائز، أو الرجال والنساء إلا الحديث عن مرض السيدة الجميلة العظيمة الشامخة قناة السويس، لقد كنت أشعر فى حديثى مع الآخرين «هَم الدنيا كُلهَا» من أناس لا يعلمون كم الدخل الذى تدخله القناة، وليس لديهم ثقافة تاريخ وتطور القناة، بمعنى أنهم لا يعرفون مدى الخسارة التى تحدث، حتى المصريون البسطاء الذين يعيشون على هامش الحياة كانوا فى قلق شديد على مصير قناة السويس، بل إن الغريب فى الأمر أن الشباب الذى كنا نتهمه بالانسحاب من المجال العام، وأنه لا يهتم سوى بالأغانى الخارجة الممنوعة من التداول.. إلخ، وكذلك البسطاء الذين يسيرون فى الشارع، الجميع كان مصَابهم الأساسى أن قناة السويس متوقفة، وكان الحديث عنها ككيان حى يراد له الشفاء، بغض النظر كم تدر من أرباح وكم خسرنا فى هذه الأيام، خاصة أن الإخوان فى قنواتهم ودولة قطر كانوا سعداء لمرضها ويتمنون أن يطول مدى المرض إلى أبعد الحدود.

والأجمل من كل ذلك والذى أدهشنى أنه عندما تحركت السفينة وبدأت ملامح الشفاء تظهر ابتهج الجميع وفرحوا، وكأن مريضًا فى العائلة أصيب بمرض عضَّال وشفى، ومن الأمور التى تعجبت لها أن أكثر من عامل من العاملين فى القناة تحدثوا عن أن تحرك السفينة كان معجزة من السماء.. فيحكى عم نادر صليب أحد العمال المشاركين فى مهمة شد السفينة أنه رأى فجأة القديس مارجرجس بحصانه الأبيض يقوم بجر السفينة، وقال محمد عبدالله نصر كل الشكر لله وحده لا شريك له على تعويم السفينة بالأولياء بأمر تصريف من الله، بالطبع مثل هذه الحكايات لرجل الشارع البسيط المتدين يعبر عن مدى اهتمامه بالأمر، ومع تحفظنا عليها لأنها تقلل من الجهد المبذول والفكر الاستراتيجى الذى استطاع أن يحل المشكلة فى عدد قليل من الأيام. لكن ما لا يجب أن ننساه هو سعادة المصريين من كل الفئات والأعمار، وكأن تعطل السفينة العملاقة كانت مصدر تعاسة لهم وجاء الفرج والفرح والابتهاج بتحركها. إن قناة السويس بحق كيان حى له حضور وله معاركه وانتصاراته وهزائمه، وله أمراضه وشفاؤه منها، وهناك نماذج حية أخرى مثل الأهرامات وأبو الهول، وهناك أيضًا السد العالى الذى بناه عبدالناصر والذى أدخل الكهرباء لقرى مصر ما أدى إلى تحديث عدد منها، وأتذكر جيدًا أن الشباب كان يحلم بانتهاء بناء السد الذى سيجعل وجه مصر مختلفا عما قبل.. إلخ.

وإن كان كل شخص على حدى له أماكن يعشقها لأن بها ذكرياته مع أحبابه ويتفاعل معها وكأنها كائن حى يسير على قدمين فعشق الأماكن ينفث فيها روحًا مختلفًا، إن ذكريات الإنسان الفرد يحسب المكان طرفًا ثالثًا فى العلاقة مع الحبيب، بالطبع يستمتع بهذه الأماكن ويحكى معها، ويكتب فيها أشعارًا، لقد غنى عبدالحليم عن شارع الضباب وغنت أم كلثوم الأطلال وغنى كثيرون لمصر بعشق لا ينقطع «لك يا مصر السلامة وسلامًا يا بلادى» وتحدث شعراء لجماد وكأنه بشر أمامهم، ووقف كثيرون أمام قبور الأحباء يتحدثون إليهم ويسمعونهم.

فهل عندك من تفسير ــ عزيزى القارئ ــ لهذه الظاهرة الحية؟!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved