العصامي اليتيم

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: الجمعة 1 نوفمبر 2019 - 8:10 م بتوقيت القاهرة

تحدثنا فى المقال السابق «آبى أحمد وحمدوك» عن نجمين يتلألآن فى سماء إفريقيا السوداء، وركزنا على آبى أحمد، واليوم نركز على النجم الآخر حمدوك.

برز اسم عبدالله حمدوك بعد واقعة اعتذاره عن عدم قبوله منصب وزير المالية والاقتصاد فى التشكيل الوزارى الأخير لنظام البشير، وذلك قبل سقوطه بأشهر قليلة، وكان حمدوك ضحية البشير عندما كان موظفًا بوزارة المالية، حيث قام بفصله وكان وقتها يتابع دراساته العليا بجامعة مانشستر البريطانية، حيث أحال البشير المئات من الموظفين الذين يعارضونه على المعاش. ولد عبدالله حمدوك فى الأول من يناير 1956 فى قرية صغيرة جنوب كردفان، فقد حمدوك أباه وهو طفل صغير، لكنه شق طريقه بذكائه وإصراره على النجاح. بعد التعليم الابتدائى التحق بكلية الزراعة جامعة الخرطوم، وحصل على بكالوريوس الاقتصاد الزراعى، ثم تابع دراسته للماجستير والدكتوراه، من أجل ذلك أطلق عليه لقب «العصامى اليتيم» ومن المعروف عنه أنه وهو فى طريق نجاحه وصعوده لم تنقطع علاقته بأسرته ومنطقته، بل ساهم فى تربية وتعليم أفراد من أسرته الكبيرة. تزوج من سودانية حاصلة على الدكتوراه، وهى تعمل بالسياسة أيضًا فى مجال حقوق الإنسان. رشحه لرئاسة الوزراء «تجمع المهنيين السودانيين» وهو الفصيل الرئيسى فى قيادة الثورة السودانية الشعبية، وقد اتفقت عليه أغلبية الكتل السياسية الأخرى ولم يعترض عليه الجيش، وبلا شك تواجه مهمة حمدوك واقعا غير مستقر، وكثيرًا من التعقيدات والتشوهات، وتتساوى فرص نجاحه وفشله فى قيادة البلاد خلال المرحلة الانتقالية.

عمل حمدوك مديرًا إقليميًا لإفريقيا والشرق الأوسط بالمعهد الدولى للديمقراطية. فى عام 2016 عين أمينًا تنفيذيًا للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا لذلك فهو معروف إقليميًا وعالميًا. فى ضوء هذا السجل أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول المنطقة العربية والإفريقية ترحيبها ودعمها لحكومته فى الفترة الانتقالية. ومن جانب آخر تفاءل السودانيون بوجوده لكسر العزلة الدولية المفروضة على النظام السابق بسبب إخفاقاته المتكررة. من سمات حمدوك فى ضوء تاريخه وأقوال أصدقائه يمكننا القول إن لديه معرفة عميقة بمشاكل البلاد، ورغم وجوده فى الخارج لسنوات طوال فقد كان متابعًا جيدًا لما يحدث، وهو شخصية تميل أكثر إلى التوافق والوسطية فى التعامل مع الآخرين، وقد وضع فى أولوياته وقف الحرب وإحلال السلام، لأنها ــ بحسب تعبيره ــ المدخل الحقيقى للإصلاح السياسى والاقتصادى للبلاد.

يقول المحللون السياسيون إن على حمدوك تحقيق السلم المجتمعى وإقامة شركة حقيقية مع المتضررين من الحرب فى أقاليم السودان جميعها، يقولون أيضًا إنه لن يتحقق له النجاح، إن لم يكن قادرًا ذهنيًا ونفسيًا ومحترفًا فى كيفية إدارة التنوع والتعدد، وهى المعادلة الحقيقية التى يفترض أن يوليها اهتمامه الشديد، وعليه إجراء عمليات إصلاح قانونى حتى يستطيع من خلالها أن يقيم فترة انتقالية ناجحة، حيث ينفتح السودان على العالم كله، وهنا لابد وأن يكون محترفًا فى التعامل مع المجتمع الدولى لرفع كل العقوبات المفروضة على السودان، ويقول المتخصصون إنه فى أمس الحاجة لفريق عمل متكامل فى الحكومة، الأمر الذى يتطلب منه اتخاذ قرارات حاسمة فى وقتها المناسب.

***
من خلال المقابلات التى أجريت مع حمدوك بعد رئاسته للوزارة، تحدث عن التحديات التى تواجهه وحكومته فقال: «إن أبرز التحديات هو التحدى الاقتصادى، وأريد أن أبنى بناءً اقتصاديًا وطنيًا يقوم على الإنتاج وليس القروض أو حتى الهبات والمنح، هذا فضلًا عن إصلاح مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد وبناء دولة القانون والعدل وإقامة علاقات خارجية تبنى على أساس مصالح السودان، وتمثيل النساء فى الجهاز التنفيذى بكل عدالة. أما التحدى الثانى فهو تحدى تحقيق السلام عبر التفاوض مع الحركات المسلحة فى مناطق النزاعات». وهو يقصد بمناطق النزاعات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وهو يرى بكل وضوح أن ملفى الاقتصاد والسلام مرتبطان معًا بقوة، وهو يركز على إنهاء الحرب وإحلال السلام للقضاء على ما يسمى «اقتصاد الحرب». ومن اللافت للنظر أن حمدوك استخدم فى خطاب تشكيل الحكومة لهجة تصالحية هادئة وجهها لقادة الحركات المسلحة ووصفهم بـ «رفاق الكفاح المسلح» وقد ردوا التحية بأحسن منها بأنهم يثقون فى الرجل ويقبلون توجهاته السياسية وأعلنوا استعدادهم للدخول فى تفاوض معه على الفور.

عزيزى القارئ ألست معى بأنه قد آن الأوان أن ترد إفريقيا الجميل للشرق الأوسط فنحن بحاجة لفكر ونوعية آبى أحمد وحمدوك ونظيرهم ليتلألئوا فى سمائنا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved