الركود العالمى وتهديده المتزايد الخطورة

العالم يفكر
العالم يفكر

آخر تحديث: الأحد 1 مايو 2022 - 9:45 م بتوقيت القاهرة

نشر مركز بروجيكت سينديكيت مقالا بتاريخ 26 إبريل للكاتب كينيث روجوف تناول فيه التأثيرات السلبية للتباطؤ الاقتصادى على أمريكا والصين وأوروبا... نعرض منه ما يلى:
تُـرى هل يندفع الاقتصاد العالمى نحو عاصفة كاملة، حيث تنزلق كل من أوروبا والصين والولايات المتحدة إلى حالة من الركود فى توقيت واحد فى وقت لاحق من هذا العام؟ الواقع أن مخاطر حدوث ركود عالمى ثلاثى تتعاظم بمرور كل يوم.
يكاد الركود فى أوروبا يكون حتميا إذا تصاعدت الحرب فى أوكرانيا، وإذا تراجعت ألمانيا، التى كانت تقاوم بشراسة الدعوات المطالبة بوقف استيراد النفط والغاز من روسيا. وتجد الصين صعوبة متزايدة فى الحفاظ على النمو الإيجابى فى مواجهة عمليات الإغلاق القاسية المرتبطة بجائحة كورونا، التى تسببت بالفعل فى توقف شنغهاى تماما وتهدد بكين الآن. الواقع أن الاقتصاد الصينى ربما يكون فى حالة ركود بالفعل. ومع ارتفاع أسعار المستهلك فى الولايات المتحدة حاليا بأسرع معدل لها منذ 40 عاما، تبدو احتمالات الهبوط الناعم للأسعار دون إلحاق ضرر كبير بالنمو بعيدة على نحو متزايد.
فى الآونة الأخيرة، بدأت التوقعات الاقتصادية الخاصة والرسمية تسلط الضوء على المخاطر الإقليمية المتنامية، لكنها ربما تستهين بمدى تسبب كل من هذه المخاطر فى تعاظم الأخرى. على سبيل المثال، ستؤدى عمليات الإغلاق الواسعة النطاق فى الصين إلى إحداث فوضى عارمة فى سلاسل التوريد العالمية فى الأمد القريب، مما يؤدى إلى زيادة التضخم فى الولايات المتحدة وانخفاض الطلب فى أوروبا. بطبيعة الحال، من الممكن أن يخفف انخفاض أسعار السلع الأساسية من هذه المشكلات. ولكن مع غياب أى نهاية واضحة فى الأفق للحرب فى أوكرانيا، فمن المرجح أن تظل أسعار الغذاء والطاقة العالمية مرتفعة فى أى سيناريو محتمل.
الواقع أن الركود فى الولايات المتحدة من شأنه أن يحد من الطلب العالمى على الواردات ويفجّر حالة من الفوضى فى الأسواق المالية، وخاصة إذا كان ناجما عن دورة من زيادة أسعار الفائدة من قِـبَـل بنك الاحتياطى الفيدرالى. ورغم أن الركود فى أوروبا ينتشر عادة على مستوى العالم من خلال انخفاض الطلب فى الأساس، فإن التباطؤ الذى تستحثه الحرب قد يهز بشكل جذرى ثقة الأعمال والأسواق المالية فى مختلف أنحاء العالم.
• • •
ولكن ما مدى احتمالية وقوع كل من هذه الأحداث؟ كان مسار النمو فى الصين فى تباطؤ منذ فترة طويلة، مع تجنب الركود الحاد بسبب مزيج من الحظ وإدارة الاقتصاد الكلى بشكل مقتدر فى الأغلب الأعم. لكن أى قدر من الإشراف الدقيق على الاقتصاد الكلى لن يكون كافيا لإنقاذ الموقف إذا اتخذت القيادات الصينية القرار الخطأ بشأن كوفيدــ19.
خرجت معظم الدول الآسيوية الآن من استراتيجيات «كوفيدــ19 صِـفر» وتنتقل إلى أنظمة تدير مسألة كوفيدــ19 على أنها تهديد مستوطن، لكنها لا تتعامل معها على أنها جائحة. ولكن ليس الصين. فهناك، تنفق الحكومة مبالغ ضخمة لتحويل مبانى المكاتب الخاوية فى وسط المدينة إلى مراكز للحجر الصحى.
ربما تكون مراكز الحجر الصحى الجديدة فكرة رائعة، حيث توفر طريقة لإعادة توجيه قطاع البناء المتضخم فى الصين نحو أنشطة ذات فوائد اجتماعية أكبر من مجرد تكديس المزيد من المشاريع الجديدة فوق سنوات من الإفراط فى البناء. ربما يعرف قادة الصين شيئا لا يعرفه نظراؤهم الغربيون حول مدى إلحاح ضرورة الاستعداد للجائحة التالية، وفى هذه الحالة قد تبدو مراكز الحجز ذات رؤية إيجابية. لكن الصين، فى الأرجح، تخوض حربا يائسة غير مجدية فى محاولة ترويض فيروس تتزايد قدرته على نشر عدواه، وفى هذه الحالة ستثبت مراكز الحجر الصحى كونها إهدارا كبيرا للموارد، وستكون عمليات الإغلاق عديمة الجدوى.
من المؤكد أن خطر حدوث الركود فى الولايات المتحدة ارتفع إلى عنان السماء، والآن تدور الشكوك الرئيسية حول توقيته ومدى شدته. وبمرور كل يوم، تبدو وجه النظر المتفائلة التى تزعم أن التضخم سينخفض بشكل كبير من تلقاء ذاته، وأن الاحتياطى الفيدرالى لن يضطر بالتالى إلى رفع أسعار الفائدة بدرجة أكبر كثيرا، أشد تضليلا. مع ارتفاع حجم المدخرات إلى عنان السماء أثناء الجائحة، يصبح السيناريو الأكثر ترجيحا هو أن يظل الطلب الاستهلاكى قويا، بينما تتفاقم مشاكل سلاسل التوريد.
صحيح أن الحكومة الأمريكية تعمل على تقليص سياساتها التحفيزية، كما يبدو، لكن هذا من شأنه أن يزيد من مخاوف الركود حتى لو ساعد فى تخفيف التضخم بعض الشىء. وإذا استمرت برامج التحفيز بكامل طاقتها فإن هذا من شأنه أن يزيد من صعوبة مهمة بنك الاحتياطى الفيدرالى.
أما عن أوروبا، فإن التأثير السلبى الناجم عن التباطؤ الاقتصادى فى الصين والولايات المتحدة كان ليهدد نموها حتى بدون الحرب الدائرة فى أوكرانيا. لكن الحرب ضاعفت بشكل كبير المخاطر التى تواجه أوروبا ونقاط الضعف التى تعيبها. فالنمو ضعيف بالفعل. وإذا لجأ الرئيس الروسى فلاديمير بوتن إلى استخدام أسلحة كيميائية أو أسلحة نووية تكتيكية، فسوف تضطر أوروبا إلى قطع كل صلة به تماما، فى ظل عواقب غير مؤكدة يتحملها اقتصادها فضلا عن خطر المزيد من التصعيد، والذى قد يعنى فرض عقوبات على الصين أيضا. فى غضون ذلك، ترزح الحكومات الأوروبية تحت ضغوط شديدة لحملها على زيادة إنفاقها بشكل كبير على الدفاع الوطنى.
• • •
من الواضح أن الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية الأكثر فقرا ستعانى بشدة فى حالة حدوث ركود عالمى. وحتى البلدان المصدرة للطاقة والغذاء، والتى استفادت حتى الآن اقتصاديا من الحرب بسبب ارتفاع الأسعار، من المرجح أن تواجه بعض المشكلات.
مع بعض الحظ، سينحسر خطر حدوث انكماش عالمى متزامن بحلول أواخر عام 2022. ولكن فى الوقت الحالى، أصبحت احتمالات الركود فى أوروبا والولايات المتحدة والصين كبيرة ومتنامية، والانهيار فى إحدى المناطق من شأنه أن يزيد من احتمالات الانهيار فى مناطق أخرى. ومن المؤكد أن التضخم الذى بلغ مستويات غير مسبوقة من الارتفاع لا يجعل الأمور أسهل بأى حال. الحق أننى ليست على يقين من أن الساسة وصناع السياسات على مستوى المهمة التى قد يجدون أنفسهم فى مواجهتها قريبا.
النص الأصلى


هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved