تجديد الخطيب الدينى

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: الجمعة 1 يناير 2016 - 10:30 م بتوقيت القاهرة

نتحدث كثيرا عن تجديد الخطاب الدينى وننسى أو نتناسى أن الخطيب الدينى هو حامل الخطاب للجماهير، سواء كان هذا الخطاب مسموعا فى دور العبادة، أو مقروءا فى كتب التفسير أو الفقه، أو مشاهدا ومسموعا فى التليفزيون والإذاعة. وليس شرطا أن يكون الخطيب الدينى خريجا فى أحد المعاهد الدينية، فهناك من يخطبون كهواة لكنهم أحيانا يبدون محترفين.
من هنا يكون الخطيب الدينى هو مصدر الخطاب والمعبر عنه، حيث يكون فى ذهنه فكرة ملحة يريد التعبير عنها لجمهوره ليعالج من خلالها قضية مطروحة على الساحة تشغل الناس؛ سواء كانت القضية سياسية أو اجتماعية أو فقهية (عقيدية أو تفسيرية)، وقد التقيت وتعاملت مع كثيرين من الخطباء الدينيين.
أذكر أثناء دراستى للدكتوراة فى التسعينيات من القرن الماضى، كان فى الجامعة التى أدرس بها دور عبادة، فدخلت إحداها وإذا بالخطيب يبدأ خطابه بالقول: «بالأمس كنت أعد الخطاب الذى سألقيه عليكم اليوم وأنا لدى طقوس بهذا الشأن؛ حيث أغلق باب مكتبى وأترك لزوجتى مهمة الرد على تليفوناتى (وأشار بأصبعه نحو زوجته الجالسة فى الصف الأول) لكى تهيئ لى جوا هادئا لأكون قادرا على التركيز؛ حيث أقوم بدرس موضوع الخطاب من عدة مراجع وأكتبه كلمة كلمة، لكنى فوجئت بالأمس بزوجتى تفتح الباب فجأة وتدخل على وهى غاضبة قائلة «لدى مشكلة لابد أن تتدخل فيها. قلت لها أنت تعرفين ما أفعل اتركينى الآن فأخذت ترفع صوتها قائلة اترك ما فى يدك وكلمنى، قلت مستحيل. اقتربت أكثر وهى منفعلة وضربت بقبضة يدها على المكتب وهنا امتلأت غضبا ولم أجد أمامى سوى لمبة المكتب ( الأباجورة ) فأمسكتها بعنف وألقيتها بقوة فى وجه زوجتى، ولولا أنها انحنت قليلا لصدمت وجهها لكن الأباجورة صدمت الحائط وتكسرت والحائط اتسخ، وفوجئت وإذ بالجمهور يضحك وزوجته تضحك بشدة وصوت عالٍ وبعد أن هدأت القاعة بدأ الخطيب يتحدث مستكملا القصة وكيف تصالح مع زوجته وقبلها. وكان موضوع الخطاب عن دور التسامح وعلاقة الحب بين الزوجين، عندما سمعت ذلك من الخطيب ورأيت رد فعل الجمهور قلت فى نفسى (يا خبر أسود) لو أن خطيبا فى مصر مسيحيا كان أو مسلما شارك مستمعيه بمثل هذه الحكاية ترى ماذا سيكون رد فعل الجماهير؟!»
***
فى عام 2002 وبعد أحداث سبتمبر 2001 فى أمريكا، دعت الدولة بإيعاز من الكنيسة بعض رجال الدين مسيحيين ومسلمين من عدة دول إسلامية ليتحدثوا فى أمريكا عن خبرة التعايش المشترك بين المسيحيين والمسلمين لمئات السنين، لأنه تردد فى أمريكا حينئذ نفس ما يتردد اليوم بعد ما حدث فى باريس، بأن التعايش بين المسلمين والمسيحيين مستحيل. وقد قدموا نموذجا لتلك الخبرة من واقع بلادهم رغم اختلاف كل بلد فى هويتها ولغتها وثقافتها وطريقة الحكم فيها. وقد حكى الوفد المصرى كيف أنهم يعيشون معا لأكثر من ألف وخمسمائة عام، وقد كان بين الوفد رجلا دين من إيطاليا ووفد سودانى وثالث باكستانى... إلخ وتقابلوا مع رجال دين من أمريكا بالطبع».
لاحظت أن رجال الدين الذين فى أمريكا والذين من دول متقدمة مثل إيطاليا، يقدمون أنفسهم ويتكلمون ببساطة كبشر عاديين، لا تستطيع أن تكتشف أنهم رجال دين إذا لم يقولوا لك ذلك فهم يضحكون بطريقة عادية ويلقون النكات ويتحركون ويرقصون مع النساء ولا يسألون إن كان الطعام المقدم لحم خنزير أو خلافه أو الشراب حلالا أم حراما؛ لكنهم يتحاشون شرب الخمر والطعام الممنوع بحسب الشريعة برشاقة وذوق عالٍ، أما رجال الدين من العالم الثالث «مسيحيين ومسلمين» لا يتحدثون إطلاقا ببساطة بل بتكلف وتؤدة ووقار فى كل شىء، بابتسامة متكلفة وكأنهم يقومون بتمثيل دور فى مسرحية وهم لا يتقنون التمثيل، وعندما يدخلون إلى مطعم يسألون «الجرسون» بصوت عال هل تقدمون هنا لحم خنزير أو منكر؟! فيكون الرد قائمة الطعام والشراب بين يديك يا فندم. وبعد أن ينتهى الاجتماع والطعام ويعودون إلى الفندق تجدهم على راحتهم بشكل مختلف تماما عن الدور الذى كانوا يقومون به مع الغرباء.
بل وفى مصر والخارج، حضرت كثيرا مؤتمرات للحوار المسيحى الإسلامى، وتعرفت على كثيرين من الخطباء الدينيين من المسيحيين والمسلمين المصريين والعرب، ومنهم من يظهر فى التليفزيون، واكتشفت أن الشخصية التليفزيونية التى تظهر فى البرامج الدينية أو فى التوك شو ليست هى الشخصية الحقيقية؛ فشخصية التليفزيون كلها وقار وورع وقداسة تكاد تقول إنه سوف يرتفع عن الأرض من كثرة الإيمان وأن من يلمسه سوف يشفى من آلامه. صحيح ظهر فى السنوات الأخيرة من أطلق الناس عليهم (الدعاة الجدد) يلبسون الملابس الأفرنجية ويتحدثون ببساطة، لكنها نفس المشكلة فرغم مظهرهم وطريقة كلامهم إلا أنهم أيضا يمثلون هذا الدور أى دور الداعية الحديث الأفرنجى، فهو ليس على طبيعته وهذا يفقدهم المصداقية.
وهذا الأسلوب لا ينطبق على رجال الدين فقط، لكن ينطبق على معظم من يعيشون فى العالم الثالث من جميع المهن؛ فهناك بشر يمثلون الغنى وهم فقراء وهناك من يمثل الشهامة وهو جبان ومن يمثل النقاء والطهارة وهو فاسد ومن يمثل إتقان العمل والتفانى فيه وهو نصاب، وهذا ما يجعل العالم الثالث يستمر ثالثا ولا يتقدم، أما الفرنجة «الكفار» فهم يفعلون ما هم مقتنعون به، الفاجر فاجر ولا يمثل التقوى والتقى تقى والمنضبط منضبط والعالم عالم والجاهل جاهل والمجتمع لا يضغط عليهم لكى يقوموا بأدوار ليست أدوارهم، لذلك هم يتقدمون ونحن نتخلف.
***
فهل هناك وسيلة لتجديد الخطيب أولا وهو سيقوم بتجديد الخطاب تلقائيا لأنه سيكون بشخصيته الطبيعية البسيطة ويحس بإحساس الإنسان العادى فيبسط التفسير ويحدثه ويجعله مناسبا للعصر دون تكلف أو تعقيد يستحضره من التراث، ولأن أجدادنا علمونا أن الكلام الذى يخرج من القلب يصل إلى القلوب أما الكلام الذى يخرج من الفم يضيع مع الريح. والعقول الكبيرة تناقش الأفكار والعقول المتوسطة تناقش الأحداث، أما العقول الصغيرة فتناقش الأشخاص. وعليك عزيزى القارئ أن تحلل كل ما تسمعه فى دور العبادة والبرامج الدينية فى الإذاعة والتليفزيون فى ضوء هاتين العبارتين، وسوف تكتشف أن الحاجة الملحة هى تجديد الخطيب فيتجدد الخطاب هكذا ببساطه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved