يظل نجيب محفوظ بلا شك أسطورة الأدب والكتابة المصرية والعربية، بل إنه من الكتاب أصحاب التأثير العالمي، والذي اكتسبه بعد فوزه بالجائزة الأدبية الأرفع في دنيا الأدب، وهي جائزة نوبل في الأدب، التي أوصلته للعالمية، وجعلت منه أيقونة ومرجع للكتابة المصرية والعربية، ليصير أبا للرواية العربية المعاصرة.
لكننا في نفس الوقت سنكون مجحفين وغير صادقين لو قلنا أن جائزة نوبل فقط هي ما أعطت نجيب محفوظ ذلك الزخم، بالطبع ساهمت الجائزة، لكن كتابة محفوظ نفسه وإبداعه المتجدد والمختلف كان هو العامل الرئيسي في أسطوريته التي تزداد مع الوقت.
لم يكتب أديب نوبل مذكراته، لذلك يمكننا في ذكرى رحيله الـ19 محاولة الاقتراب من شخصيته من خلال أحد أهم الكتب عنه، وهو كتاب "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ"، للكاتب والناقد رجاء النقاش، والصادر عن دار الشروق، والذي يمكن اعتباره بمثابة مذكراته، لكن بشكل محكي، ومنها يمكننا فهم طبيعة شخصية وفكر محفوظ.
الكتاب هو أحاديث مطولة دارت بين رجاء النقاش ونجيب محفوظ في محاولة الغوص في شخصية محفوظ وفكره، وأيضا في محاولة لفهم أدبه، وفهم بعض المواقف في حياته، وأشياء أخرى كثيرة.
يبدأ الكتاب بحديث نجيب محفوظ عن طفولته ونشأته، حيث ولد في الجمالية وعاش هناك بعض سنوات الطفولة، وكيف انتقلت الأسرة إلى العباسية، ويحكي عنها وعن مصر بشكل عام في بداية القرن العشرين، حيث يصير حديث محفوظ، وكأنه مرآة وتأريخ لتلك الفترة من تاريخ مصر.
يحكي أيضا في هذا الفصل الأول عن أمه وأبيه وعلاقته بهما، وعن الأسرة بشكل عام، ويمكننا القول أن أهمية أحاديث الطفولة والنشأة هي الاقتراب من تكوين محفوظ حيث إن النشأة في الجمالية قد لعبت الكثير في أدب نجيب محفوظ فيما بعد.
يشرح بعد ذلك العلاقة المعقدة التي ربطت بين أدبه، وبين الوظيفة التي التزم بها، وهو مثال فريد ربما لا مثيل له في الجمع بين الكتابة والوظيفة، وهو ما لم يقدر عليه فنان من قبل ولا من بعد.
ويقول محفوظ، إن الوظيفة كانت لها إيجابياتها وسلبياتها، حيث علمته الانضباط والنظام، وأعطته أمثلة بشرية كثيرة ومتنوعة نفعته في رواياته المختلفة، لكنه مع ذلك تمنى دائما التفرغ للأدب.
ويكمل محفوظ الحكي عن كيفية اختياره للأدب، والذي جاء متأخرا على حد وصفه، كما أنه يحكي عن التحاقه بقسم الفلسفة، وكيف أقنع والده، أيضا يتطرق لبداية اختياره للأدب على حساب الفلسفة، حيث كان هذا الأمر مرهقا للغاية في التفكير.
ويتحدث نجيب محفوظ عن روايته الأكثر جدلا "أولاد حارتنا"، وعن الأزمة التي سببتها، ويستعرض ظروف كتابتها بعد سنوات من الانقطاع عن الكتابة، بعد ثورة يوليو حيث شعر بأن الأهداف التي كان يكتب من أجلها قد تحققت.
ثم عودته للكتابة برواية "أولاد حارتنا" التي أثارت غضب المثقفين، والأزهر، والمتشددين دينيا على حد سواء، حيث هاجمه الجميع، لأنهم فهموا أن الرواية بها إساءة للأنبياء والدين، ويؤكد محفوظ أنها ليست كذلك إطلاقا، مشددا أنهم لم يفهموها.
ويستعرض أيضا أديب نوبل رحلته مع الجوائز الأدبية من جائزة قوت القلوب الدمرداشية التي كانت أول جائزة في حياته الأدبية، وحتى جائزة نوبل للأدب أعرق الجوائز الأدبية في العالم، ويتحدث عن كل جائزة وتفاصيلها وقيمتها المعنوية والمادية بالنسبة له.
ويخص جائزة نوبل بحديث أكبر ويوضح أثرها على الكتابة المصرية والعربية بشكل عام، وكيف استقبلها البسطاء بالتهليل والفرح قبل حتى المثقفين، ويرد أيضا على التشكيك في فوزه بها سواء من المثقفين أنفسهم أو من المتشددين دينيا.
تتواجد بين صفحات الكتاب الكثير من آراء محفوظ السياسية، وخاصة في ثورة 1919، والتي يعتبر نفسه من براعمها، ورأيه في الوفد، وسعد زغلول، ومصطفى النحاس، حيث كان وفديا صميما، وأيضا رأيه في ثورة يوليو 1952، والتي ارتاب منها في البداية، ثم أصبح من مؤيديها، وبعد ذلك عارض الكثير من سياساتها.
هنالك أيضا رأي تفصيلي لنجيب محفوظ عن زعماء مصر، وهم سعد زغلول، مصطفى النحاس، جمال عبدالناصر، أنور السادات، وحسني مبارك، يحلل محفوظ كل واحد منهم كما رأه، ويتحدث عن أعمال وعصر كل زعيم بالتفصيل.
يستعرض رجاء النقاش في نهاية الكتاب محاولة اغتيال نجيب محفوظ، حيث يعرض رؤية بانورامية للمحاولة من مقدمات، ثم وقائع الحادث نفسه، وأخيرا ما حدث بعد الحادث، وحتى صدور الأحكام، والتي كان من بينها الإعدام.
ويمكننا القول أن كتاب "صفحات من مذكرات نجيب محفوظ" هو محاولة بانورامية لرؤية الشخصية المحفوظية والاقتراب منها، سواء على المستوى الشخصي، أو العملي، وبالطبع الأدبي، فهي ليست مجرد أحاديث، بل مخزون فكري هام لشخصية فكرية وأدبية عظيمة بحجم نجيب محفوظ.