في مثل هذا اليوم الموافق 30 أغسطس عام 2006 غيب الموت جسد الأديب العالمي نجيب محفوظ عن عمر ناهز الـ95 عاما. غاب الجسد، وبقيت روح الكاتب التي تتواجد في أدبه، وكتابته التي أثرت في الجميع، وغيرت الشكل الروائي للرواية العربية الحديثة.
-الطفولة والنشأة
ولد نجيب محفوظ في 11 ديسمبر من عام 1911، في حي الجمالية بالقاهرة، والذي سيكون له بالغ الأثر على كتابات محفوظ وشخصيته الأدبية فيما بعد، حيث ستكون الحارة المصرية هي البطل في معظم أعماله.
مثلت طفولة ونشأة نجيب محفوظ عاملا مهما في تكوينه الأدبي والفكري، حيث رأى هناك ثورة 1919 عندما كان لا يزال ابن السابعة، وأحب سعد زغلول، ومن هناك أصبح وفديا، وعرف الفتوات، والكتاتيب، والمجاذيب، وكان شاهدا على التحول الذي حدث لمصر في بداية القرن العشرين، التحول على جميع الأصعدة.
-بداية طريق الأدب
التحق نجيب محفوظ بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول "القاهرة حاليا" عام 1930، ولكن محفوظ حول وجهته من الفلسفة إلى الأدب، في اختيار صعب.
بدأ نجيب محفوظ في كتابة القصص القصيرة، ونشرت تلك القصص متفرقة في الصحف والمجلات، وكانت أول قصة منشورة لمحفوظ بعنوان "ثمن الضعف" قبل أن تنشر كمجموعة قصصية كاملة بعد ذلك، وهي "همس الجنون".
-محفوظ يكتب الرواية
ذهب نجيب محفوظ بعد ذلك لكتابة الرواية وبدأها بثلاثية تاريخية، وهي "عبث الأقدار"، "رادوبيس"، و"كفاح طيبة"، وفي هذه الفترة قرر محفوظ كتابة التاريخ المصري كله على شكل روائي، ولكن ذلك لم يتحقق فلم يكتب محفوظ عمل تاريخيا بعد الثلاثية التاريخية حتى الثمانينات.
حاول نجيب محفوظ استحضار التاريخ المصري القديم لإسقاطه على واقع المصري في هذا الوقت من نهاية الحقبة الملكية حيث كانت مصر تعيش وضعا صعبا على كافة المستويات، حيث رغم التاريخ، لكننا نشعر بأن الثلاثية التاريخية هي روايات واقعية أكثر منها تاريخ.
اتجه نجيب محفوظ بعد الثلاثية التاريخية إلى الرواية الواقعية، عن طريق أعمال مثل "القاهرة الجديدة"، "خان الخليلي"، و"زقاق المدق" والذي حاول فيهم تعرية المجتمع المصري بشكل كبير، وتصوير الحارة المصرية في شكل محاكمة للأوضاع الراهنة وقتها.
-الثلاثية
كتب نجيب محفوظ عمله الأشهر الثلاثية، وهي 3 روايات، وهي "بين القصرين"، "قصر الشوق"، "السكرية"، والتي نشرت بين عامي 1956 و1957، ولكن كان محفوظ كتبهم قبل ثورة يوليو.
حاول محفوظ في الثلاثية تصوير حال المجتمع المصري، وخاصة الحارة في بداية القرن العشرين عبر شخصيات متنوعة ومختلفة تمثل الكثير من أطياف المجتمع، وتعطي نظرة على بداية تحول المجتمع المصري، وتعرج على ثورة 1919.
في الثلاثية كتب نجيب محفوظ أحد أهم شخصياته، وهي السيد أحمد عبدالجواد، أو "سي السيد"، والذي أصبح شخصية أيقونية في الأدب العربي بشكل عام، وشخصية شعبية بامتياز.
أيضا تميزت شخصية كمال التي عدها الكثيرين قريبة من شخصية محفوظ نفسه، والذي قال فيما بعد أن الشخصية بالفعل قريبة منه.
-أولاد حارتنا رواية الأزمة
توقف نجيب محفوظ عن الكتابة بعد ثورة يوليو عام 1952، حيث شعر بأن ما كان يكتب في العصر الملكي وينقده بدأت الثورة تعالجه فتوقف عن الكتابة لمدة 5 سنوات، حتى كتب أحد أكثر رواياته شهرة وإثارة للجدل، وهي رواية "أولاد حارتنا".
كتب محفوظ الرواية معتمدا على الرمز بشكل كبير في تحول لطريقته الكتابية بشكل كبير، أثارت الرواية الجدل منذ نشرها كحلقات مسلسلة في جريدة الأهرام، حيث هاجمها الجميع المتشددون، والأزهر، والمثقفون على حد سواء، وكفر محفوظ بسببها واتهم بالإلحاد.
دافع محمد حسنين هيكل عن الرواية وعن نجيب محفوظ، حيث كان رئيسا لتحرير الأهرام في ذلك الوقت، لم يحدث لمحفوظ شيئا وقتها، غير منع الرواية من النشر ككتاب، ونشرت بالفعل في بيروت، وبعد ذلك بسنوات نشرت لأول مرة في مصر مع دار الشروق، لكن "أولاد حارتنا" ستكون فيما بعد من أهم أسباب محاولة اغتيال نجيب محفوظ في عام 1994.
دافع نجيب محفوظ كثيرا عن الرواية معتبرا إياها أنها مجرد رواية أدبية، وليست إساءة للذات الإلهية أبدا، واصفا أن جميع من هاجمها لم يقرأها جيدا.
-نجيب محفوظ والسينما
لا يخفى على أحد التأثير الكبير لنجيب محفوظ في السينما فكما كان مؤثرا كبيرا على الأدب المصري والعربي أثر أيضا على السينما، سواء برواياته التي تحولت لأعمال سينمائية، وأيضا كونه كاتبا لسيناريو.
اقتبست السينما عن روايات نجيب محفوظ 19 عملا، الكثير منهم من أهم الأعمال السينمائية مثل الثلاثية، ولم يكتب محفوظ أي سيناريو لأي عمل من أعماله التي تحول لسينما حيث كان يفضل ترك الحرية للمخرج والسيناريست حرية تحويل العمل الأدبي إلى سينمائي.
يتواجد نجيب محفوظ في صدارة قائمة الكتاب في قائمة أفضل 100 فيلم سينمائي حيث تواجد بـ16 فيلما سواء مقتبسين عن رواياته أو كتب لهم السيناريو.
-جائزة نوبل
في عام 1988 توج نجيب محفوظ بجائزة نوبل في الأدب، كأول مصري وعربي يفوز بها، وحتى الآن بقى هو أيضا المصري والعربي الوحيد الحائز عليها.
وهي أهم وأرفع جائزة أدبية في العالم، وحصل محفوظ على الجائزة: "لإبداعه في مضمار الروايات والقصص القصيرة، وما أنتجه عنى ازدهاراً قوياً للرواية كاختصاص أدبي، كما أسهم في تطور اللغة الأدبية في الأوساط الثقافية على امتداد العالم الناطق بالعربية، بيد أن مدى إنجازه أوسع بكثير، ذلك أنه أعماله تخاطبنا جميعاً." وكان هذا على حد وصف الأكاديمية السويدية نفسها المانحة للجائزة.
مثلت جائزة نوبل نقلة كبيرة ليس فقط لأدب نجيب محفوظ، والذي أصبح كاتبا عالميا، وترجمت جميع أعماله للغات العالمية المختلفة، ولكنها كانت نقلة للأدب المصري والعربي بشكل عام، والذي بدأ العالم يركز عليه، ويسعى لترجمته.
لم يحتاج محفوظ للجائزة لتأكيد على موهبته وتأثيره الكبير، ولكن الجائزة كانت هي التأكيد على أن نجيب محفوظ ليس كاتبا عاديا، بل هو بحق أبو الرواية العربية الحديثة.
-محاولة الاغتيال
تعرض نجيب محفوظ في عام 1994 لمحاولة اغتيال خسيسة، بسب رواية "أولاد حارتنا"، كما أن أزمة رواية "آيات شيطانية" للكاتب سلمان رشدي، قد أعادت الجدل حيث اعترض محفوظ على الفتوى الشهيرة لروح الله الخميني بإهدار دماء رشدي، وهذا ما جعل أحد الشيوخ المتشددين وهو عمر عبدالرحمن يهدر دم نجيب محفوظ.
في يوم 14 أكتوبر عام 1994، وهي الذكرى السادسة لفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، كان محفوظ يستعد لذهاب إلى ندوته الأسبوعية كالمعتاد في كازينو قصر النيل، وكان في انتظاره أمام منزله صديقه الطبيب البيطري الدكتور فتحي هاشم ليقله بسيارته.
وبمجرد أن جلس نجيب في المقعد الأمامي للسيارة، وذهب الدكتور فتحي للمقعد الآخر اقترب شخصين من محفوظ ظن أنهما من القراء، ويريدان مصافحته، واستقبالهما بابتسامة، ولكن أحدهما استل مطواة وطعنه في رقبته محدثا جرحا غائرا، ولاذا الشابان بالفرار.
من التدابير الإلهية هي كون بيت الكاتب الكبير يقع بالقرب من مستشفى العجوزة، والتي نقله لها على الفور الدكتور فتحي هاشم، وفشلت المحاولة الخسيسة.
انقلب العالم للمحاولة الفاشلة لاغتيال الأديب العالمي، وانهالت عليه البرقيات والزيارات من جميع أنحاء العالم، وقبض رجال الشرطة على الجناة، وحصلوا على أشد الأحكام، والتي وصلت للإعدام.
-رحيل الجسد
في يوم 30 أغسطس من عام 2006 رحل جسد نجيب محفوظ عن عمر ناهز الـ95، لكن روح محفوظ بقيت عصية على الرحيل لأن تأثيره على الكتابة المصرية والعربية ليس بالهين، بل هو أكبر تأثير لأي كاتب قبل أن يكتب محفوظ، ومنذ كتب، وحتى اليوم، تأثير لا يمكن للموت أن يخفف منه، فمثل نجيب محفوظ تتمنع أرواحهم عن الموت حتى لو أصاب أجسادهم.