الجمعة 25 مايو 2018 3:16 ص القاهرة القاهرة 29.1°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى أن دمج وتحالف الأحزاب سيفيد في انتعاش المشهد والحياة السياسية في مصر؟

عن قانون الأسرة والطلاق الغيابى

نشر فى : الثلاثاء 15 مايو 2018 - 10:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 15 مايو 2018 - 10:25 م

فى مقالنا السابق «فاروق الباز مع الميراث والحجاب»، تناولنا بالتحليل وجاهة وجهة نظر العالم فاروق الباز فى الميراث والحجاب، وقد دفعنا هذان الموضوعان إلى التطرق لموضوعين آخرين، لا يقلان أهمية عن السابقين، ويتضرر منهما كثير من الناس، الأول: الحضانة والرؤية لأبناء المطلقين، والثانى: الطلاق الغيابى.

***

نتذكر جميعا أن رئيس الدولة ــ فور توليه منصب الرئاسة ــ استجاب لاستغاثة الآباء من قانون الأسرة (رقم 4 لسنة 2005) الذى تم تعديله فى عصر الفساد فى جلسة خاطفة عُقدت ليلا بناء على طلب من إحدى النافذات فى هذا الزمان، فطلب الرئيس من دار الإفتاء إعادة النظر فى هذا القانون، إلا أنه لم يحدث ــ كما هى العادة ــ أى تغير أو مراعاة لآباء تعتصر قلوبهم على أبنائهم من ممارسات انتقامية لبعض من يقمن بحضانة الصغير.
لقد تم تفصيل قانون الأسرة الحالى من مجموعة «ترزية القوانين»، مثل الذين قاموا بتعديلات قانون 76 الخاص بترشيح رئيس الجمهورية فى العهد البائد، والذين دخلوا فى تفاصيل مخزية لتقصر حق الترشح على شخص بعينه، وبالمثل ــ فى محاولة لحجب الحضانة عن الأب ــ حدد القانون الجديد شروط انتقال الحضانة من الأم ــ إذا فقدت حقها فى الحضانة بالزواج ــ إلى محارم الصغير من النساء الأقرب فالأقرب، التى من الممكن أن تمر على أكثر من ثلاثين شخصية نسائية! تبدأ من أم الأم وإن علت، ومرورا بشقيقات الأم ثم بغير الشقيقات، وصولا إلى العمات الشقيقات للأب ثم غير الشقيقات، ويبرر القانون فى كل مرة سبب الأولوية وهو قَدر الشفقة على الصغير، فعلى سبيل المثال، يبرر أولوية الخالة الشقيقة للأم بأنها أكثر شفقة من الخالة غير الشقيقة! كما لم يأت ذكر لضرورة مخالطة الصغير الذكر للرجال ليكتسب عاداتهم وصفاتهم!
ولأن أى قانون يتم تفصيله بشكل اصطناعى لخدمة شخص أو نوع فهو يسقط فى متاهات غير قانونية، فأول ما يؤخذ على هذا القانون أن الأم الحاضنة إذا تزوجت سقط حقها فى الحضانة، لأن زوجها سيكون أجنبيا على الصغير، ولم يُفرض هذا الشرط على أى امرأة من العشرات اللاتى يحق لهن حضانة الصغير بديلا عن الأم!، فلم يمنع القانون حضانة الصغير لخالته أو عمته وهى متزوجة وزوجها غريب عن الصغير!.
ولأن هذه التعديلات كانت الغاية منها خدمة حالات بعينها، وإبعاد الأب بكل الوسائل عن الحضانة، ولأنها لم تراع القاعدة المبدئية فى هذا الصدد بأن مصلحة الصغير هى الأَولى، لم تتنبه إلى أن الصغير الذى يبحث له القانون عن حاضنة لا يتعلق بأبناء المطلقين فقط، ولكنه سيطبق على الأيتام أيضا، الذين فقدوا أمهاتهم، وكأن القانون يقوم بتيتيم الصغير من الأب والأم معا! خاصة إذا كانت الأم ثرية فتصبح الحضانة مطمعا.
وهكذا يعتبر القانون ــ ضمنا ــ الرجلَ شيطانا، فمحاولة تغليب المُطلقة على طليقها ــ بالمُطلق ــ هى خطيئة، لأن العلاقة الزوجية أساسها المودة والرحمة، وقديما كان الرجل يعتبر المرأة شيطانا، والآن نُصحح الأمر بجعل الرجل شيطانا! فكما توجد نساء صالحات يوجد أيضا رجال صالحون، والعكس صحيح، وتحميل الرجل كل الأخطاء ليس من الإنصاف.. نسمع عن برلمانية تطالب بسجن الرجل الذى يتزوج ثانية دون إبلاغ الأولى بستة أشهر، ولا تُحمل أى مسئولية للمرأة التى وافقت على الزواج منه وربما هى التى أغرته!.
وأما عن «الرؤية»، فلم يضع القانون عقوبة مناسبة للحاضنة التى لا تُمكن الأب من رؤية أبنائه بانتظام، علما بأن الأب الذى لا يدفع نفقة أولاده عقوبته السجن، ومازال الآباء يسعون سعيا حثيثا لتقنين حق الزيارة، مرة كل أسبوعين، أو حتى كل شهر، مع مدة زمنية معقولة تسمح للأب باصطحاب الصغير مرة كل سنة فى الإجازة الصيفية، ولأن قصر النظر كان واضحا لدى من قنن لهذا القانون، وروح الانتقام تسيطر عليه، نسى أن المرأة نفسها ــ التى يحاول القانون أن يحابيها ــ هى أول المتضررين مستقبلا عندما تصبح جدة، وتكون محرومة من رؤية حفيدها فى مثل هذه الحالات!.
إن قانون الأسرة الحالى هو بحق فى حاجة ماسة لتعديلات جوهرية، أو لقانون جديد يُعيد أولا التوازن الطبيعى فى علاقة الزوجين التى أساسها المودة والرحمة، ليس فيها صراع أو تنافس بين الجنسين، كما يسعى البعض، فكلا الجنسين مكمل للآخر؛ وثانيا ــ قانونا ــ فى حالة الخلاف، يضمن حقوق كل طرف دون مبالغة حتى لا يتهدم الميثاق الغليظ الذى ربط بينهما يوما ما، كما يساعدهم على أن يحفظوا الفضل بينهما؛ وثالثا قانونا يؤَمِن لأولادهم الاستقرار والأمان، فلا يعطى فرصة لأب يترك أبناءه دون نفقة، ولا لحاضنة تحرم الصغير من رؤية أبيه وأجداده.

***

وفيما يتعلق بالطلاق الغيابى ــ نتذكر، منذ عام تقريبا ــ طالب الرئيس بإعادة النظر فى هذا الأمر الذى أصبح ظاهرة مقلقة، مما يعطى الحق للحاكم فى أن يبحث عن حل يحفظ به حقوق المرأة التى يطلقها زوجها شفهيا، ويرفض توثيق هذا الطلاق، فتصبح «مُعلقة»، استِنَادا إلى «قاعدة المصلحة الْمُفَوَّضة لولى الأمر» (دكتور على جمعة، مقال: «ما هى الوصية الواجبة؟» ــ موقع مصراوى 1 فبراير 2015م)، ولكن المؤسسات الدينية بكل رجالاتها اعترضوا بشدة، وكانت حجة المعترضين أن الطلاق يقع فى حال النطق به، ولا يحتاج لتوثيق. هذا الرأى ــ من وجهة نظرنا ــ غير صحيح، لأن الطلاق الرسمى أمام المأذون الشرعى يحتاج لشاهدين كالزواج بالضبط، والزواج لا يتم إلا بوجود شاهدين، وبالقياس إذا قالت امرأة لرجل «زوجتك نفسى» ورد عليها بـ«قبلت»، لا يتم الزواج إلا بوجود الشاهدين، وكذلك الحال بالنسبة للطلاق.
ولم يتنبه المعارضون لقول الله من تحذيره للزوج الذى يُهمل زوجته، ولا يعطيها حقها «فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ»، أمر إلهى بألا نترك المرأة لا هى متزوجة ولا هى مطلقة!، فيعم الفساد فى المجتمع، غير أن هذا التحفز الدائم من بعض رجال الدين الذين يمنعون الحاكم من القيام بدوره الشرعى، ويحرمون الضعفاء من الدفاع عنهم بسبب تجمد فكرهم، يجعل شرع الله حجرا صامتا يرمون به كل من يحاول الاجتهاد.
وهكذا نرى أن تجديد الخطاب الدينى لا يزال محلك سر، لم يخطُ خطوة واحدة جادة، إن كل ما فعله المسئولون فى تجديد الخطاب هو تقديمهم، فى أجهزة الإعلام، دعاة من الشباب، يرتدى أغلبهم الملابس «الموضة»، أو «الكاجوال»، ويرسمون على وجوههم ابتسامات جميلة، ولكن ما يقدمونه من أفكار هو نقل من الماضى السحيق الذى عفى الزمن على كثير منه.
وآخر دعوانا: اللهم لا تجعلنا نقول قول ابن سينا: «لقد بُلينا بقوم يظنون بأن الله لهم وحدهم».

أكرم السيسى أستاذ الأدب واللغويات بقسم اللغة الفرنسية بجامعة الملك سعود بالرياض
التعليقات