الخميس 15 نوفمبر 2018 9:39 م القاهرة القاهرة 19.5°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما موقفك من المطالبات بحظر النقاب في الأماكن العامة؟

حلّق حوش

نشر فى : الخميس 13 سبتمبر 2018 - 10:30 م | آخر تحديث : الخميس 13 سبتمبر 2018 - 10:30 م

الساعة هي الثامنة والنصف من صباح أحد أيام شهر نوڤمبر، القاهرة الساهرة تتثاءب وتحتسي كوبا ساخنا من الشاي أو القهوة لتفتح عينيها وتنفض عنها الكسل. غريب أمر هذه المدينة، تتناول المنبهات لتسهر وتتناول المنبهات لتصحو. الجو في هذه الأيام من العام بديع جدا، بات يتأخر شتاء القاهرة حتى مطلع شهر ديسمبر بل وربما حتى منتصفه، الآن تستطيع البيوت أن تستغنى عن التكييف وتكتفي بالهواء اللطيف الذي يتسلل من فرجة الشيش الخشبي أو النافذة الألوميتال فهذا أصّح وأرخص كثيرا . الأشجار لم تتعرَ بعد بالكامل وتسقط عنها ورقة التوت، فمازالت بضعة أوراق تتدلى من فروعها الناحلة وتقاوم فعل الجاذبية على طريقتها. تستبق أغنية "رجعت الشتوية" على إذاعة الأغاني الفقرة اليومية المخصصة لأغنيات فيروز بعد نصف ساعة من الآن بالتمام والكمال. وكم غنت فيروز للشتاء. أخذت نهى نفسا عميقا من الهواء، وألقت رأسها إلى الوراء تسكنها حالة محببة من السلام النفسي، وتناومت.

***

تقطع السيارة شارع طلعت حرب فتتفقد صاحبتنا معالمه الشهيرة وهي مغمضة العينين لم تزل: المخبز.. متجر الأثاث.. محل الثياب.. الممر الذي ينتهي إلى محل الفول والطعمية، تشعر بالسائق وهو ينحرف يسارا في طريقه إلى شركة الطيران التي تسافر عليها دائما فلا تجد بدا من الانتباه بعد أن اقتربت كثيرا من غايتها، وتبدأ في الاستعداد للترجُل. كان الشارع يغص كالمعتاد بعشرات من رجال المرور، وكل شيء فيه كما تعرف وتتوقع. تتوقف السيارة أمام باب شركة الطيران فما أن تفتح بابها حتى تنشق الأرض عن رجل ضخم في نهاية العقد الثالث من عمره يوجه لها الحديث قائلا: هل تقصدين شركة الطيران للبحث عن حقيبة مفقودة أم لحجز بطاقة سفر؟ بدا لها السؤال غريبا كسائله فطلبت منه أن يكرره، ففعل. بعد أخذ ورد فهمت منه أنه منذ نحو شهرين فصلت شركة الطيران التي تقصدها بين خدمة الاستعلام عن الحقائب الضائعة ومكانها في هذا المقر، وبين خدمة حجز بطاقات السفر ومكانها على الرصيف المقابل . ما هذا الترتيب المعقد وما الداعي إليه ؟ لا إجابة. هل توجد سعة في وسط القاهرة تسمح بهذا النوع من تقسيم العمل؟ مرة أخرى لا إجابة. أو ليست مهمة تعقب الحقائب المفقودة هي مسؤولية فرع الشركة في المطار؟ مرة أخيرة لا إجابة .

***

اصطحبها الرجل الغريب إلى الرصيف المقابل ودلف بها إلى داخل ممر ضيق يغص بلافتات عدد من شركات الطيران المعروفة، لابد أن دليلها ينتظر مكافأة مالية سخية بعدما بذل من جهد معها حدّثت نفسها، في الواقع كتّر خيره فلولاه ما كانت اهتدت إلى هذا التغيير الذي استحدثته الشركة ولوصلت متأخرة عن ميعاد العمل. توقف الرجل أمام باب شركة طيران قال إنها وكيل لشركة الطيران التي تقصدها صاحبتنا، إذن ليست المسألة توزيع أدوار بين مكتبين لنفس الشركة لكن بين الشركة ووكيل لها، بدأ الشك يتسرب إلى نفسها.

***

طلبت نهى من فتاة حسنة المظهر تجلس خلف مكتب صغير أن تستخرج لها بطاقة السفر المرسلة إليها من الخارج فأومأت بالموافقة قائلة: بكل سرور بس المصاريف ١٥٠جنيه! مصاريف ماذا ؟ مصاريف استخراج البطاقة التي لا تكلف طباعتها إلا كبسة زر كما يقول أهل الشام ؟ لا لا يمكن. الأرجح أن الدهشة التي ارتسمت بالبنط العريض على وجه صاحبتنا هي التي دفعت الموظفة إلى أن تعاجلها بالقول: إذا أردت طباعة مجانية لبطاقة السفر توجهي لمكتب الشركة على الرصيف الآخر فنحن وكلاء نؤدي خدمة مدفوعة!. على الرغم من الغضب المتكرر لنهى من مفردات القاموس الذي يستخدمه شباب هذه الأيام، إلا أن كلمة "اشتغالة" التي يرددها الشباب في معرض الإشارة لظاهرة الضحك على الذقون ألحّت عليها بشدة في تلك اللحظة. فما فعله معها الشاب الضخم تنطبق عليه هذه الكلمة تماما، ينتظرها على باب شركة الطيران ويقول لها ما قاله ثم يقتادها لمكتب الوكيل، وهناك يطلبون منها مقابلا كبيرا لطباعة التذكرة، ووراء ذلك من المصالح والعمولات ما وراءه.

***

لم تكن استباحة واحد من شوارع وسط البلد في وضح النهار وفي ظل وجود شرطي كثيف هو مفاجأة اليوم الوحيدة، المفاجأة الثانية كانت في علم شركة الطيران بكل ما يجري خارجها، فعندما حكت نهى لموظف الشركة ما حدث متصورة أنها سوف تصدمه وأنه سيقيم الدنيا ولا يقعدها أدهشها بقوله: عارف بس أعمل إيه؟. فكَرَت أن تقترح عليه تعليق ورقة تشير إلى أن الشركة تحجز بطاقات السفر كالمعتاد ثم تراجعت لأن العارف لا يُعرَّف، وهي لا تقدم اقتراحا عبقريا على أي حال .

***

ترى هل أحس الرجل الضخم الغريب بشيء من الْخِزْي عندما رمته نهي بنظرات نارية وقد أتمت مهمتها واستخرجت بطاقتها مجانا من المكتب الذي قال لها الرجل إنه مختص حصريا بالحقائب الضائعة؟ سؤال يعكس سذاجة واضحة فهذا الذي يقطع الطريق على المارة ويتلاعب بهم في جرأة متناهية صعب جدا أن يحرجه أحد. صارت شوارعنا حافلة بكل أشكال التطفل والتنطع والتحرش والفوضى، وصار السير فيها محفوفا بالخطر. تذَكَرَت صاحبتنا وصف صلاح چاهين الشوارع بأنها حواديت، حواداية العشق فيها وحواداية عفاريت، تذَكَرَت ذلك واستدركت قائلة: هذا التنوع كان في زمن صلاح چاهين، أما في هذا الزمن فلقد انسحب العشق وأخلي مكانه للعفاريت فإذا هي تسكن كل حوادايات الشوارع !

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات