الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 7:47 م القاهرة القاهرة 19.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

عروبة رياضية

نشر فى : الخميس 12 أكتوبر 2017 - 9:40 م | آخر تحديث : الخميس 12 أكتوبر 2017 - 9:40 م
فور انتهاء مباراة كرة القدم بين مصر والكونغو يوم الأحد الماضى بفوز مصر وتأهلها لكأس العالم كتب عبدالناصر فروانة يقول «الأسرى تابعوا المباراة ويهنئون مصر الحبيبة رغم الألم والمعاناة ورغم السجن وقسوة السجان، الأسرى الفلسطينيون فى سجون الاحتلال الإسرائيلى تابعوا المباراة وفرحوا وهللوا لفوز مصر وتأهل منتخبها لكأس العالم، وأبرقوا أحر التهانى والتبريكات لشعب مصر العظيم». لمثل هذا الكلام تسيل الدموع وبمثل هذا التحدى يبقى فى سراج الأمل بصيص خافت. 
***
عبدالناصر فروانة لمن لا يعرفه هو أسير سابق وابن أسير سابق، استقر فى ذاكرته منذ أن كان فى الثالثة من عمره مشهد جلل لم ينسه أبدا، اقتحم العساكر الإسرائيليون بيت أسرته وعاثوا فيه فسادا، اقتادوا والده عنوة وألقوا به فى غياهب الجب / السجن، وما أدراك ما سجن المحتل. بعدما خرج فروانة من أسره نذر جهده ووقته واهتمامه كله لقضية الأسرى الفلسطينيين، كتب فيها وتكلم عنها وأسس لها موقعا إلكترونيا خاصا باسم «فلسطين خلف القضبان»، فترى أى شعور يتملك المرء منا وهو يعيش مع أسرى الاحتلال مشاعر فرحة كان وطنه مبعثها وداعيها؟ أحببت جدا هذه المستديرة الساحرة التى سربت بهجة وقتية لهؤلاء القابعين خلف الأسوار فتهللوا وتصايحوا وأسمعونا أصواتهم قوية فى مصر. نفضت فرحتهم الغبار عن عروبتى فتألقت وتوهجت كعهدها فى الأيام الخوالى. 
***
كانت رسالة أسرانا الفلسطينيين هى الأبلغ والأقوى لكنها لم تكن الوحيدة، فقد كتب السياسى اللبنانى المخضرم معن بشور رسالة بعنوان «عروبة رياضية» ومنها استوحيت عنوان هذا المقال. جوهر ما قال بشور إن مشاعر الفرح التى تجتاح الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج ابتهاجا بتأهل فريق عربى للمونديال هى دليل دامغ على عروبة هذه الأمة، وختم قائلا «حاصروا العروبة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ولغويا وثقافيا وعسكريا وأمنيا فإذا بالمارد العربى يطل برأسه من الشباك». عندما تقرأ هذا الكلام تنتابك مشاعر مختلطة، تسر لأنها تعنى أن الشعوب العربية قادرة على أن تشق مجار لتلاقيها وتواصلها رغم الصعاب، مجار تنحتها الذائقة العربية المشتركة التى تجعل الرموز والمناسبات والمفردات الخاصة بكل شعب عربى عناصر جامعة لكل الشعوب العربية، فإذا بسجدة الشكر التى أداها لاعبو المنتخب المصرى بعد هدف الفوز تتحول معها الساحات العربية إلى أماكن فسيحة للصلاة، وإذا بسيل النكات التى تبدعها خفة الظل المصرية تطير من فورها عبر وسائل التواصل إلى دمشق وبغداد وبيروت بل ويعيد أصدقائى العرب إرسالها لى ونتبادل التعليقات، وإذا بمشاعر الود الغلاب تمنح محمد صلاح جواز سفر خاص مكتوبا فى خانة جنسيته: مصرى عربى، وكما ضجت بالفرح شوارع مصر ضجت شوارع غزة وأبى ظبى والكويت وغنى للمناسبة عمرو دياب وحسين الجسمى. لكن المعنى الآخر الذى تبعث به رسالة بشور أن الرياضة وحدها هى التى مازالت تجمع الشعوب العربية بعد انسداد مسالك السياسة والاقتصاد والأمن واللغة، وهذا معنى قاس جدا على النفس لأنه يحول العروبة إلى محض ظاهرة رياضية بل وإن شئنا الدقة إلى ظاهرة كروية، فهل هذا صحيح؟
***
هناك فارق بين تراجع حركة المد القومى العربى وهذا أمر واقع وبين اعتبار الرياضة هى التعبير المتاح حاليا عن العروبة وهذا أمر موضع نقاش، فالرياضة بعد من أبعاد العروبة لكنها ليست البعد الوحيد رغم كل صعوبات المرحلة الحالية، ولعله ليس من قبيل المصادفة أنه فى يوم المباراة نفسه كان المجتمع المدنى فى المغرب يخوض جولة جديدة من جولات الصراع مع محاولات التطبيع بتجديد الشكوى ضد عمير بيريتس وزير الحرب الإسرائيلى خلال العدوان على لبنان عام ٢٠٠٦، وقبل ذلك بأسابيع قليلة رفض المجتمع المدنى التونسى مشاركة الفنان التونسى الفرنسى ميشال بوجناح فى مهرجان قرطاج بسبب مواقفه الداعمة لإسرائيل، وهذان تعبيران «سياسيان» لهما ما يماثلهما فى العديد من الدول العربية. ورغم كل ويلات الصراع السورى إلا أنه فتح لطعام الشام ومنسوجات الشام سوقا عربية واسعة، وهذا تعبير اقتصادى عن العروبة. أما الفن المصرى غناء وتمثيلا فهو حلقة الوصل القديمة الجديدة بين الشعوب العربية.
***
أعاد الهدف المصرى الثانى فى شبكة الكونغو السعادة لبيوت المصريين وقد كانت تشتاق إليها، وضخ دماء جديدة فى عروبة مصر حتى تزين برج خليفة بالعلم المصرى وكم كانت لفتة رائعة، ولعل الأيام القليلة القادمة تشهد وصول العدد الأكبر من الدول العربية لمونديال روسيا فتتلألأ شوارعنا ومقاهينا من أقصى الوطن العربى لأقصاه احتفالا بالوصول للمونديال ولما بعد هذا الوصول.

 

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات