الإثنين 21 أغسطس 2017 10:30 ص القاهرة القاهرة 31.9°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في مقترح تعديل الدستور لزيادة الفترة الرئاسية إلى 6 سنوات؟

معضلة العدالة والكفاءة والديمقراطية: فنزويلا مثالا

نشر فى : السبت 12 أغسطس 2017 - 10:05 م | آخر تحديث : السبت 12 أغسطس 2017 - 10:05 م

السياسة المقارنة فرع من فروع علم السياسة. هو ينصبّ على كيفية الاضطلاع فى المجتمعات المختلفة بالوظائف السياسية وعلى البنى التى تكفل الاضطلاع بهذه الوظائف. هو علم مقارن لأن الوظائف المطلوبة فى كل المجتمعات تكاد تكون واحدة، وعليه فإن التعرف على الصورة التى تؤدَى بها وظيفةٌ ما فى مجتمع ما تفيد مجتمعا آخر يريد التصدى لنفس هذه الوظيفة. الأمثلة على ذلك لا تعدّ ولا تحصى مهما حلا للبعض التغنّى بالخصوصية والانفراد وتحدّوا القواعد العامة لتنظيم المجتمعات البشرية فى كل مكان. ما يقال عن الوظائف السياسية يذكر مثله عن القضايا التى تواجه المجتمعات، ففى نهاية الأمر القضايا التى تواجه البشر هى نفسها والأنظمة السياسية تضطلع بوظائفها للتصدى لهذه القضايا.
العدالة واحدة من القضايا الأساسية التى شغلت الإنسانية منذ تشكل وعيها. اهتمت بها الأديان والفلسفات، وأرقت المصلحين الاجتماعيين وانصبّ عليها تحرك الثوّار. العدالة، بلغة عصرنا، هى التوزيع المنصف للموارد وتوفير الفرص المتكافئة للاستمتاع بهذه الموارد وبمردودها. «العدالة» بلا توصيف تكفى للدلالة على ما اصطلح على تسميته بالعدالة الاجتماعية.
فنزويلا فى شمال أمريكا الجنوبية بلد من 32 مليون نسمة، فيها أكبر احتياطى للنفط فى العالم. نعم، فى فنزويلا، وليس فى الخليج يوجد أكبر احتياطى للنفط فى العالم. فى سنة 1970، كانت فنزويلا أكثر بلدان أمريكا اللاتينية وبين أكثر عشرين بلدا فى العالم «ثراء»، محسوبا بمتوسط الدخل الفردى. أما الواقع فكان أن متوسط الدخل الفردى أخفى وراءه تركزا متزايدا فى الثروة والدخل وفى السلطة السياسية. الوجه الآخر «للثراء» كان الحرمان الذى شعرت بوطأته المتزايدة الأغلبية العظمى للفنزويليين.
***
بعد محاولة انقلاب عسكرى فاشلة فى بداية التسعينيات من القرن العشرين، وصل «أوجو تشافيز» إلى الحكم بانتخابات ديمقراطية نزيهة فى سنة 1998، وأعيد انتخابه فى سنوات 2000 و2006، و2012 بأغلبيات تتراوح بين 55 و63 فى المائة. أعلن تشافيز أنه يحمل لواء «اشتراكية القرن الحادى والعشرين»، وخصص الموارد الهائلة لفنزويلا لتحقيق العدالة بين الناس حتى أن زهاء 45 فى المائة من الإنفاق العام ذهب لتمويل السياسات الاجتماعية. زاد عدد المعلمين إلى خمسة أمثال ما كانوا عليه فى ظل رئاسته، وعالج الآلاف من الأطباء الكوبيين سكان الأحياء والقرى الفقيرة مجانا، وخضعت أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية للتسعير الإجبارى، ووفر القطاع العام أعدادا هائلة من فرص العمل. لذلك، أحرزت المؤشرات الاجتماعية تقدما هائلا وأصبحت فنزويلا أقل بلدان أمريكا اللاتينية تفاوتا فى الدخول. انخفض معدل الفقر من 49 فى المائة من السكان فى سنة 1998، سنة وصول تشافيز إلى الحكم، إلى 27 فى المائة عند وفاته فى سنة 2013، وانخفض معدل وفيات الأطفال إلى ما يقرب من النصف، من 20.3 فى الألف إلى 12.9 فى الألف خلال الفترة نفسها.
«أوجو تشافيز» كان زعيما طلقَ الحديث، جذابا سياسيا، خلفه بعد وفاته نائبه ووزير خارجيته، النقابى السابق «نيكولاس مادورو»، الذى لا يحظى بنفس صفاته الشخصية. ولم يتمتع«مادورو» بنفس حظ تشافيز بينما أمعن فى اتباع سياسات سلفه ولم يمتلك القدرة والخيال السياسيين الضروريين لتعديل هذه السياسات.
انتخب «مادورو» لرئاسة الجمهورية فى سنة 2013 عقب وفاة «تشافيز» بأغلبية ضئيلة للغاية ولكن كافية فى النظام الديمقراطى بلغت 50.62 فى المائة. ألا أن أهم ما أصابه هو أن أسعار النفط، التى كانت رياحا فى شراع تشافيز وسياساته، انهارت اعتبارا من سنة 2014. هذا الانهيار خطير فى بلد يعتمد على إيرادات تصدير النفط فى 95 فى المائة من حصيلة عملاته الأجنبية. الاستمرار فى سياسات تشافيز لفترة طويلة صار مستحيلا. فى مرحلة أولى، الاستمرار فى هذه السياسات كانت نتيجته السحب من الاحتياطى النقدى ولكن لهذا السحب منتهى. وكان نتيجته أيضا الاقتراض ولكن للاقتراض هو الآخر منتهاه لأن للدين الخارجى خدمة تعجز فنزويلا، مثلما يعجز أى بلد آخر، عن الوفاء بها مع انكماش حصيلة النقد الأجنبى.
***
لم تنشر المصادر الرسمية فى فنزويلا أرقاما لمؤشرات اقتصادية واجتماعية منذ 2014. ولكن ثمة تقديرات لمؤسسات دولية، من جانب، ونتائج مسح مشترك لظروف المعيشة قامت به جامعات فنزويلية وبعض بيانات متفرقة، من جانب آخر. فى تقديرات صندوق النقد الدولى لسنة 2016، بلغ النمو السلبى، أى الانكماش، فى الناتج المحلى الإجمالى، وهو مجموع السلع والخدمات التى ينتجها الاقتصاد، 8 فى المائة، والتضخم 481 فى المائة، والبطالة 17 فى المائة. أما أسعار سلة السلع الغذائية الأساسية فلقد ارتفعت فى سنة 2017 بنسبة 424 فى المائة عما كانت عليه فى سنة 2016. كان سعر صرف الدولار الواحد 8 بوليفار فى 2010 فصار 8.000 بوليفار فى 2017. المسح الوطنى لظروف المعيشة كشف عن أن اللحم والدجاج كانا رابع وخامس سلعة فى سلة غذاء الفنزويليين فى سنة 2015 فتخطتها العجائن والدرنيات فى 2016، وبينما كان 11.3 فى المائة يتناولون وجبتين أو أقل يوميا فى سنة 2015، أصبحت هذه النسبة 32.5 فى المائة فى 2016. الأدوية أصبح 85 فى المائة منها ناقصا. معدّل الفقر الذى كان قد تراجع فى عهد تشافيز قفز إلى ما فوق الـ80 فى المائة فى 2017. للتعامل مع التراجع فى الظروف المعيشية، أعلن مادورو فى نهاية إبريل الماضى للمرة الثالثة عشرة منذ تولّى الحكم رفع إجمالى الأجر بنسبة 34.4 فى المائة، وهو رفع اعتبره المراقبون غير كاف أو مؤثر نظرا للارتفاع الهائل فى الأسعار من جانب، ولنقص المعروض من السلع، من جانب آخر. بإيجاز، اتسع الفقر وانحسرت العدالة وساءت حالتها حتى بالمقارنة بما كانت عليه قبل وصول تشافيز إلى الحكم.
***
مسألة رئيسية فى السياسات التى خطّها «تشافيز» واستمر فيها «مادورو» هى فى قدرتها على تحقيق الاستمرارية للعدالة المبتغاة. المشكلة الأولى تبدو فى الإدارة السياسية للموارد الاقتصادية للدولة. الشكّ وارد تماما فى سلامة تخصيص الجانب الأكبر من إيرادات النفط للإنفاق، حتى وإن كان لأغراض اجتماعية نبيلة. كان من المهم مثلا الاستثمار فى حقول النفط التى انخفض الإنتاج منها فى ظل حكمى تشافيز و«مادورو» بنسبة تقارب الثلاثين فى المائة، ولم يكن أقل أهمية الاستثمار فى إعادة هيكلة الاقتصاد وفى تنويع الإنتاج فيه ورفع إنتاجية القطاعات غير النفطية، فبذلك وحده كان يمكن مواجهة آثار كل من الانخفاض فى إيرادات النفط وأى سياسات مناوئة يتخذها هذا الطرف أو ذاك، وهما العاملان المسئولان، كما أعلن مادورو، عما يقرب من الانهيار الاقتصادى الذى تعيشه بلاده. درس أولى لمحنة فنزويلا أن الموارد الطبيعية لا تصنع «الثراء» ولا نقصها السبب فى «الفقر» عندما يتعدّى سكان بلد ما ملايين قليلة.
ولكن كيف واجه مادورو هذا الوضع الاقتصادى والآثار السياسية التى ترتبت عليه؟ الآثار السياسية تمثّلت فى احتجاجات شعبية منذ سنة 2014 ثم انتخاب جمعية وطنية، أى برلمان، فى سنة 2015 الأغلبية فيها للمعارضة لأول مرة منذ 1999، أى منذ بدايات حكم شافيز. المحكمة العليا المليئة بقضاة موالين أعلنت بطلان انتخاب ثلاثة من أعضاء الجمعية الوطنية فحرمت المعارضة بذلك من الأغلية المرجحة التى تمكنها من تمرير القوانين رغم معارضة الرئيس لها. ولما أعلنت الجمعية الوطنية فى أكتوبر 2016 عن استفتاء على إزاحة الرئيس عن السلطة، حكمت المحكمة العليا بعدم شرعية الاستفتاء. وذهبت المحكمة إلى أبعد من ذلك فى مارس 2017 عندما اختصت نفسها بسلطات الجمعية الوطنية، وإن كانت قد اضطرت إلى الرجوع عن قرارها هذا فى إبريل وإلى ردّ سلطات الجمعية إليها. فى الوقت نفسه، وفى التفاف على الجمعية الوطنية، دعا الرئيس مادورو إلى انتخابات لتشكيل جمعية تأسيسية تصوغ دستورا جديدا. الاحتجاجات التى بدأت فى 2014 تحولت إلى اضطرابات واسعة النطاق فى البلاد كلها منذ 2016 راح ضحيتها 120 قتيلا فضلا عن آلاف الجرحى، وقبض على زعماء للمعارضة وأزيحت المدعية العامة عن منصبها لانتقادها بعض إجراءات الحكومة، وهى المناصرة المخلصة للحركة التشافية منذ الأيام الأولى. باختصار ما فعله الرئيس مادورو هو تغيير قواعد اللعبة السياسية حتى يمكنه، فى أحسن الظروف بالنسبة إليه، استبدال برلمان موال جديد بالجمعية الوطنية المعارضة وإضفاء«الشرعية» على استبعاد المعارضة من الحياة السياسية وعملية صنع السياسات. ولكن، حتى إن تحقق له ذلك، فهل هو السبيل لاستعادة الأدوات الضرورية لتحقيق العدالة التى يستحقها الناس؟ السياسات الكفؤة لا تصاغ بالتلاعب بقواعد صنعها.
***
الدرس الأساسى من فنزويلا لعلم السياسة المقارنة هو أن العدالة، وكفاءة الإدارة الاقتصادية، والديمقراطية قضايا مترابطة فيما بينها. التضحية بالديمقراطية فى أى مكان لن تفيد بل ستفاقم سوء الإدارة الاقتصادية فتضاعف الإضرار بالعدالة، وهى الغرض الأسمى.
السياسة هى فى التعامل برفق وحيلة وخيال وعزم مع القضايا الثلاث، مع أخذ البيئة المحيطة وتوزيع القوى السياسية والاقتصادية، الداخلية والخارجية، فى الاعتبار. والتعامل لا بدّ أن يكون بتواضع لأن المجهول كثير فى شأن البيئة وتوزيع القوى، وفيما يخص الارتباط بين القضايا الثلاث.
والفكر السياسى والاقتصادى فى كل مكان، بما فى ذلك وخصوصا فى بلادنا، مطالب بدعم السياسة فى تعاملها مع القضايا الثلاث.

إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات