الإثنين 18 يونيو 2018 7:59 ص القاهرة القاهرة 28.6°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الإعلان عن أسعار الكهرباء الجديدة.. كيف تراها؟

الخائفون من القطط

نشر فى : الإثنين 12 مارس 2018 - 9:55 م | آخر تحديث : الإثنين 12 مارس 2018 - 9:55 م

انقسم أعضاء النوادى وتشاجر الجيران واختلف أفراد الأسرة الواحدة بسبب القطط. وتبدو الأزمة لأول وهلة نابعة من خلاف بسيط بين من يحبون القطط ومن يكرهونها، ولكن الموقف من القطط يفتح تساؤلات أخلاقية صعبة حول حقوق الحيوان ومسئولية الإنسان، وإمكانيات العيش المشترك معهم ومع أنفسنا.
***

فهناك من يفتحون بيوتهم وقلوبهم لتسكنها قطة تتلقى فيها معاملة الأبناء، فتُمنح اسما وطعاما ورعاية طبية وعاطفية. وهناك من لا يقتصر حبهم على قططهم المنزلية، بل يمتد عطفهم على قطط الشارع والحى والنادى ولا يمانعون تجول القطط بين أقدامهم فى المطاعم والمقاهى. ولكن من ناحية أخرى هناك من لا يطيقون القطط، لا لأنهم يفضلون الكلاب مثلا، بل لأنهم يعانون درجات متفاوتة من الخوف من القطط.
***

أقصى حالات هذا الرهاب تتمثل فى «فوبيا» مرضية لا إرادية وغير خاضعة لأى منطق عقلانى. فهى قد تدفع برجل بالغ أن لا يبالى خطر اندفاعه إلى عرض شارع تنطلق فيه السيارات المسرعة لمجرد أنه رأى قطة على الرصيف لا يتعدى وزنها ٤ كيلوجرامات تحدق فيه بثبات. وبينما ينعم أكثر الناس بالقدرة على الجلوس والاسترخاء فى الأماكن المفتوحة وتناول طعام أو شراب فى الهواء الطبيعى ودفء الشمس، فإن كل هذه المتع لا تساوى لدى من يرهبون القطط قدر التوتر الذى يصيب أعصابهم من انشغالهم بترقب القطط وتعقب تحركاتهم، وكأنهم يشاهدون فيلما من أفلام الرعب متأهبين لمشهد الفزع القادم لا محالة. هؤلاء يستحقون التعاطف وقد يشفون تماما بأساليب علاجية معروفة فى الطب النفسى. (ومن حظهم السيئ أن بعض القطط تنجذب أكثر إلى الإنسان الذى يتجنبها وتضيق بالاهتمام الزائد).
***

ولكن هناك درجة أقل حدة من رهاب القطط تشبه الضيق الذى يكنه البعض من تواجد الأقليات بينهم. ذلك الخوف مركب من عدة عوامل أولها الجهل بطبيعة هذه الأقلية. فكثير من هؤلاء الخائفين لم تتح لهم خبرة الاقتراب من قط ومعرفته معرفة شخصية، مما يسهل من وقوعهم فى فخ التعميمات السلبية عن القطط. لذلك يميل الخائفون من القطط حسب ثقافاتهم إلى تصديق شائعات شبه علمية أو خرافات شبه دينية تضخم من خطر القطة وقوتها الكامنة رغم ضعفها وصغر حجمها الواضح. لذلك تتردد معتقدات مثل أن القطة تجلب الأمراض، وتسبب العقم للنساء، أو أنها فى حقيقتها كائنات برية مفترسة وليست إلا أسودا ونمورا صغيرة لا مكان لها بين الناس. وبالرغم من أن قدماء المصريين بالغوا فى حبهم للقطط إلى درجة التقديس والتأليه، فإن من أحفادهم من يعتقد أن الجن والشياطين يتجسدون فى صورة قطط. وهكذا يتحول الجهل بالقطط إلى الخوف من القطط ثم كراهيتها، إلى أن يتورط البعض فى ممارسة العنف ضدها وتعذيبها. لكن مهما تفهمنا دوافع الموقف العدائى تجاه القطط والتى قد تجعل شخصا يتصور أنه يواجه وحشا، لا قطة، فيغفل عن وحشية فعله، فهذا لا يبرر تلك السلوكيات السادية وأقل ما توصف به أنها أفعال شريرة ومشينة.
***

يقول علماء التاريخ الطبيعى إن القطط هى التى استأنست نفسها فى المجتمعات الزراعية الأولى فى مصر وفى آسيا الصغرى، فقد تخلت عن الحياة البرية واتخذت لنفسها مهنة صيد القوارض عند المزارعين الذين رحبوا بهذه الخدمة، ودخل الطرفان فى علاقة شبه تعاقدية وشبه تراحمية منذ ذلك الحين. أما فى ظل الثقافة الغربية الحديثة، احتلت القطط نسبة كبيرة من البيوت كما احتلت مساحة كبيرة من الاهتمام والولع، حيث يرى محبوها أنها كائنات جميلة وناعمة الملمس، وبعضهم يراها تشبه الأطفال الرضع بعيونها الكبيرة وحبها للعب، وبعضهم يراها تشبه النساء الفاتنات فى الرشاقة والكبرياء والرقة والتمنع والغموض أيضا. ولكن حتى محبى القطط ممن يقدمون لها المأوى والرعاية فى بيوتهم متورطون فى انتهاك حقوق هذه المخلوقات وإلحاق الأذى بها، بل وقد لا يعرف بعضهم أن قططهم تتسبب فى اختلال التوازن البيئى للكوكب، وأنها مسئولة عن انقراض بعض سلالات الطيور مثلا. وهنا نجد أنفسنا أمام معضلة أخلاقية: هل حياة القطة أهم من حياة الطائر؟ هل من حق الإنسان أن يتحيز لحياة سلالة على حساب سلالة أخرى؟ أليس هذا نوعا من العنصرية؟

إن «امتلاك» الإنسان للقطط سلبها الكثير من حقوقها وحرياتها رغم حبه لها الذى قد يكون أحيانا تعبيرا عن أنانيته. فهو لا يترك لها حق تقرير مصيرها فى التزاوج والإنجاب والخروج والدخول، حيث أصبحت عمليات التعقيم الإجبارى شبه روتينية، وهى إلى جانب آثارها النفسية تسبب أمراضا عضوية فيما بعد. وهناك من يشترى قطة أليفة وكأنه يشترى لعبة أو زينة للمنزل يهتم بها لفترة ثم يهملها. والعلاقة مع القطط ليست دائما عطاء وحبا من جانب واحد كما يعتقد البعض، خاصة بالمقارنة مع الكلاب المطيعة المخلصة. فهناك من تحسنت حياتهم وصحتهم النفسية والعقلية برعاية القطط وصحبتها ولو بدون مقابل عاطفى. يقول رجل متصوف فى فيلم تسجيلى عن القطط التى تعيش فى شوارع اسطنبول إنه يعتقد أن القطط مؤمنة بالله وتعبده، ولذلك هى لا تعبر عن امتنانها للإنسان الذى يطعمها، فهى تعلم أنه مجرد وسيط، بينما الكلاب تعبد صاحبها وكأنه ربها.
***

تحب ابنتى القطط، وأسعد أيام الإجازة هى التى تقضيها فى ملجأ القطط. وقد طلبت منى مرارا أن أتبنى لها قطة، ولكن، وكما هو واضح من هذا المقال، ما زال القرار قيد الدراسة. فأرواح القطط وأقدارها ليست لعبة! (وربما أكون ما زلت أعانى بعض رواسب من خوف قديم موروث). ومع هذا أشجعها على العطف على قطط الشارع وصداقة قطط الجيران الذين يبادلونها التحية والمحبة، كل قط حسب مزاجه وشخصيته الفريدة. واليوم اشترينا بذور النعناع البرى المحبب طعمه لهم لنزرعه من أجلهم أمام منزلنا. من تلك المسافة الآمنة لاحظت أن سلوك القطط انعكاس ونتاج لأخلاق المجتمع الذى تعيش فيه، فهى أليفة ومسالمة إذا عاملها الناس برفق وكرم، وهى معتدية وشرسة إذا لم تلق سوى العنف والزجر. أقول للخائفين تذكروا إنكم الأكبر حجما والأكثر عددا، وإنه بقليل من التعقل والثقة بالنفس يسهل التعايش وتبادل الاحترام والمودة مع القطط.

هديل غنيم كاتبة مصرية
التعليقات