السبت 15 ديسمبر 2018 3:19 م القاهرة القاهرة 23.3°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يساعد توثيق عقود الزواج إلكترونياً في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟

التمرد الإيطالى على الاتحاد الأوروبى

نشر فى : الإثنين 12 مارس 2018 - 9:55 م | آخر تحديث : الإثنين 12 مارس 2018 - 9:55 م

جاءت نتيجة الانتخابات التشريعية الأخيرة فى إيطاليا يوم ٤ مارس الماضى بمثابة هزيمة نكراء للأحزاب التقليدية هناك، سواء كانوا من اليمين الليبرالى أو اليسارالاشتراكى. على الجانب الآخر، فقد حققت الأحزاب الجديدة نسبيا ومن خارج النخب التقليدية نجاحا فاق كل التوقعات، فقد حصدت حركة «النجوم الخمسة» المناهضة للاتحاد الأوروبى على أكبر نسبة من الأصوات. الأمر الذى أعاد إلى الأذهان ما شهدته الانتخابات السابقة فى العديد من الدول الأوروبية الأخرى مثل فرنسا والتى شهدت استبدال الأحزاب التقليدية لديها بحزب جديد بزعامة الرئيس الشاب إيمانويل ماكرون. صحيح أن الانتخابات فى إيطاليا لم تسفر عن فوز حزب واحد بالأغلبية المطلوبة ليتمكن من تشكيل الحكومة بمفرده كما حدث فى فرنسا، إلا أن هذه القوى السياسية الجديدة فى إيطاليا أصبحت فى مواقع تستطيع معها التحالف مع قوى أخرى لتشكيل الحكومات وتسيير دفة الحكم. وعليه لابد من يكون التساؤل الآن حول مدى انعكاس نتائج هذه الانتخابات على سياسات إيطاليا داخل الاتحاد الأوروبى، وتأثير ذلك على خطط تطوير الاتحاد التى تتبناها كل من فرنسا وألمانيا؟

هنا يتوجب علينا أولا فهم أهمية ما تمثله الانتخابات فى إيطاليا تحديدا من دلالات ومؤشرات ستنعكس بدورها على مجمل المشهد الأوروبى، حيث تحتل إيطاليا المركز الرابع من حيث عدد السكان بين دول الاتحاد (٦١،٢ مليون نسمة)، كما أنها تمثل رابع أقوى أقتصاد ( ١،٨ ترليون دولار) بعد ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا، علما بأنه مع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبى فى العام القادم، فإن إيطاليا ستحتل المركز الثالث إقتصاديا وسكانيا. هذا التغيير فى ترتيب مركز إيطاليا سيعنى تغيير موازين القوة داخل الاتحاد بما يضمن صوتا أعلى لدول الجنوب كاليونان وإسبانيا فى مواجهة المحور الألمانى الفرنسى الذى هيمن على قرارات بروكسل لفترة طويلة. كما يزيد من أهمية هذا الصوت الإيطالى ما سيعكسه من آراء وتوجهات ستختلف حتما عما كانت تعكسه الوفود الإيطالية فى الماضى، خاصة أن أقوى الفائزين فى الانتخابات الأخيرة هم من الأحزاب والحركات المناهضة للاتحاد الأوروبى. الأمر الذى سينعكس بلا شك على مداخلات ومناقشات الوفد الإيطالى فى بروكسل، والذى من المنتظر أن يعبر عن سياسات جديدة تعارض ما يراه من هيمنة لبروكسل ــ ومن ورائها ألمانيا ــ على دول الاتحاد.

هذا، وعلى الرغم من أن الأزمة الاقتصادية الحالية فى إيطاليا بدأت مع الأزمة المالية العالمية فى عام ٢٠٠٨، ولأسباب دولية ليس مجال شرحها الآن، إلا أن فشل الحكومات المتعاقبة فى التعامل معها والحد من آثارها قد نجم عنه ارتفاع الديون العامة لتمثل ١٣٣،٣ ٪ من إجمالى حجم الناتج القومى للبلاد، وكذلك ارتفاع نسب البطالة إلى ١١٫١٪. ورغم بدء الاقتصاد فى التعافى فى السنوات الثلاث الماضية بعد فترة ركود طويلة منذ عام ٢٠٠٨، وتحقيقه نسبة نمو فى العام الماضى تبلغ ١٫٥٪ طبقا لبعض التقديرات، إلا أنه لايزال أقل ٥٪ عما كان عليه فى عام ٢٠٠٨. وتنحى الأحزاب والحركات الجديدة باللائمة على كل من بروكسل وبرلين، وتحملهما مسئولية السياسات التقشفية التى تبنتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وفرضها الاتحاد الأوروبى على إيطاليا وعانى منها الناخب الإيطالى. هذا، وقد تزامنت هذه الأزمة الاقتصادية مع أزمة تدفق اللاجئين والمهاجرين القادمين من شمال أفريقيا وجنوبها، فضلا عن الشرق الأوسط وخاصة من سوريا، وخاصة بعد أن فتحت ميركل أبواب بلادها لهم مما إدى إلى تدفقهم عبر إيطاليا التى إستقبلت وحدها أكثر من ٦٠٠ ألف منهم خلال الفترة الأخيرة. الأمر الذى فاقم من الوضع الإقتصادى وأنحى معه الناخب الإيطالى باللائمة على بروكسل فى تضييق فرص العمل وتدهور الخدمات. ومع إحجام الاتحاد الأوروبى عن تقديم مزيد من المساعدات لروما من أجل مواجهة تدفق هؤلاء المهاجرين واللاجئين مثلما فعلت مع تركيا، ارتفعت شعبية الأحزاب المناهضة للاتحاد الأوروبى وصوتت الأغلبية لصالحهم.

وهكذا كانت نتيجة تضافر عاملى الأزمة الإقتصادية وما صاحبها من سياسات تقشفية مع أزمة تدفق اللاجئين والمهاجرين أن حصل الحزبان المناهضان للاتحاد الأوروبى مجتمعين على نحو نصف الأصوات. فقد جاء حزب «الخمسة نجوم» الأول بنسبة ٣٢،٧٪ من الأصوات ــ أى ٢٣١ مقعدا من أصل ٦٣٠ ــ وليصبح أكبر الأحزاب الأيطالية. كما جاءت «رابطة الشمال» فى المرتبة الثانية بـ١٧،٤٪. فى حين تراجعت أحزاب يمين الوسط بزعامة بيرلسكونى وحزب يسار الوسط الحاكم الآن، وبما يمثل انقلابا فى السياسة الإيطالية، ويكرس لعملية تنامى دور الحركات والأحزاب التى يتم وصفها بالشعبوية أحيانا والقومية أحيانا أخرى، وأنها قد أصبحت ظاهرة أوروبية وليست مجرد ظاهرة عابرة كما كان البعض يأمل بعد هزيمتها ممثلة فى الجبهة الوطنية فى الإنتخابات الفرنسية على يد ماكرون وحزبه الداعم للاتحاد الأوروبى.

وعلى الرغم من أنه من المبكر التنبؤ بشكل تشكيل الحكومة الإيطالية القادمة، حيث لا يتوقع قيام الحزبين الفائزين سالفى الذكر بالإتلاف معا نظرا للتنافس القائم بين زعيمى الحزبين، إلا أن الحكومة القادمة ــ والتى من المرجح أن تكون إئتلافا من «النجوم الخمسة «وأحزاب يمين الوسط ــ، ستتبع سياسات أكثر تشددا إزاء اللاجئين والمهاجرين من ناحية، ومن ناحية أخرى ستكون من الأصوات المعارضة بشدة لتعميق الروابط أكثر بين دول الاتحاد الأوروبى، كما يدعو لذلك كل من ماكرون وميركل. وهو ما يعنى عمليا إنقسام دول الاتحاد الأوروبى إلى فريقين متعارضين؛ فريق يدعو إلى مزيد من الوحدة والإندماج بين الدول الأعضاء، وبما يمهد للتوصول إلى صيغة ما لقيام الولايات المتحدة الأوروبية، وفريق أخر يعارض أية خطوات إندماجية جديدة ويعمل على الانتقاص من سلطات بروكسل، والتى يرى من وجهة نظره أنها قد استفحلت، وبات على السلطات «الوطنية» العمل على استعادة دورها فى تقرير مصير بلادها. ويرى أنصار هذا المعسكر ــ والذى انضمت إليه إيطاليا بحكم نتائج الإنتخابات الأخيرة ــ أن ساحة المعركة الرئيسية هو موضوع المهاجرين غير الشرعيين، والذى يجب أن تعمل بروكسل على وقف تدفقهم، وليس توزيعهم على الدول المختلفة. فهل سنرى أوروبا أكثر إنغلاقا بعد هذه الإنتخابات؟ أم ستنتصر رؤية ماكرون وميركل لأوروبا أكثر انفتاحا واندماجا فى ذات الوقت؟

التعليقات