الخميس 16 أغسطس 2018 3:56 م القاهرة القاهرة 37.4°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ترى تجربة نادي «بيراميدز» ستصب في مصلحة الكرة المصرية؟

اليأس إحدى الراحتين.. ولكن الطبيعة تأبى الفراغ

نشر فى : الخميس 7 يونيو 2018 - 9:00 م | آخر تحديث : الخميس 7 يونيو 2018 - 9:00 م

فى عدة مقالات سابقة تناولنا مشكلات وأخطاء الحركة الحزبية المصرية، منذ عودة التعددية فى أواخر سبعينيات القرن الماضى، وسجلنا اعتراضنا على الخلط غير الواعى بين الحزب والحركة الاحتجاجية، والتسرع لإحراز مكاسب انتخابية، ولو بالتحالف مع جماعات نقيضة، والانشقاقات بعد كل انتخابات داخلية، لكننا لم نغفل القيود المفروضة على الحركة الحزبية، وعلى سائر التنظيمات المهنية والنقابية من جانب الحكومات المتتالية، تحت سلطة ثلاثة رؤساء للجمهورية.
فى التحليل الأخير فإن استمرار هذه القيود، مما يصاحبها من تشويه مقصود، وتضييق يصل إلى حد الحصار، طوال هذه العقود المتطاولة من السنوات، يعنى أن «الدولة العميقة» ليست جادة فى قبولها الظاهرى لمبدأ التعددية الحزبية، ولا هى منفتحة على مبدأ التداول السلمى للسلطة، والأدهى أنها تتوقع من الأحزاب أن تفهم هذا بوضوح، وأن تتعامل على هذا الأساس، أى إنها تطالب الحزبيين بالتواطؤ الصامت ضد أنفسهم، فإن بدا أن بعضهم يأخذ الأمر بجدية، فعلى نفسها جنت براقش، وقد يذكر المخضرمون قول الرئيس السادات تعقيبا على قرار لحزب الوفد بحل نفسه، بسبب الحصار السلطوى: «أحسن أنها جاءت منهم، وأنهم حلوا حزبهم، فقد كنا سنحله على أية حال».
من هنا لا تتسامح الدولة العميقة مع أى حزب يخرج عن طوعها، خصوصا فى القضايا الكبرى، مثل الانتخابات الرئاسية، أو الاتفاقات الدولية المهمة، فيزداد التضييق، وتزداد العين الحمراء احمرارا، ومن ثم تتزايد عزلة الأحزاب، ويخرج منها كثير من الأعضاء، إما شعورا بعدم الجدوى، وإما إيثارا للسلامة، وتوفير للوقت، وللطاقة النفسية والذهنية.
وكما نعلم فقد أدت أزمة تيران وصنافير إلى استهداف الأحزاب التى اعترضت على الاتفاقية المصرية السعودية بمزيد من الضغوط، علما بأننى كشخص رفضت أسلوب التظاهر للتعبير عن هذه المعارضة، وكان هذا الاستهداف سببا لظهور اتجاه قوى داخل بعض الأحزاب لاتخاذ قرار بتجميد نشاطها إلى أجل غير مسمى، إلا أن هذه الفكرة رفضت بأغلبية، لكنها لم تكن أغلبية كاسحة، أو كبيرة على أية حال، فى معظم تلك الأحزاب، بما يعنى أن الفكرة يمكن أن تطرح من جديد، وأن يتخذ قرار فى هذا الحزب أو ذاك بالتجميد، مع اشتداد الحصار، لدرجة الحرمان من التجمع فى أى مكان خارج المقر الرسمى.
فى هذه الحالة سيكون من الصعب توجيه اللوم إلى أى حزب يقرر تجميد نشاطه، فى وضع يائس كالذى تجد الحركة الحزبية، ومنظمات المجتمع المدنى، والتنظيمات النقابية الطامحة لشىء من الاستقلال نفسها فيه الآن، فالحكمة تقول إن اليأس هو إحدى الراحتين، أما الراحة الثانية فهى – بطبيعة الحال – بلوغ الأمل، أو الاقتراب منه، أو وجود احتمال لبلوغه، مهما يكن هذا الاحتمال ضئيلا، وحتى نكون واقعيين، ولا نكذب أمانينا فليس الأمل فى حالتنا هذه وصول أى من الأحزاب المعارضة إلى السلطة، أو حتى المشاركة فيها، ولكن هذا الأمل هو إعمال القاعدة المستقرة فى كل الدنيا بأن المعارضة جزء أصيل من نظام الحكم، وليست متطفلة، أو شيئا زائدا عن الحاجة، فضلا عن أنها ليست «عدوا».
ولأن المعارضة الشرعية هى جزء من نظام الحكم، ــ كما يجب أن يكون الوضع – فمن الطبيعى أنها لا تختلف مع النظام على شرعيته، ولا تختلف مع كل سياساته، بل تؤيد مثلا مواجهته الحاسمة للإرهاب، والتطرف، وتساند بكل ما تملك من قوة محدودة رفضه توريط مصر فى صراعات إقليمية، لخدمة أجندات غير مصرية.
أما إذا كان هناك من يعتقد أن بعض الأحزاب، أو التنظيمات تتصرف أحيانا دون شعور كاف بالمسئولية، فالرد أن هؤلاء أقلية، ويمكن عزلهم بتسهيل عمل الأحزاب الجادة عموما، كما ان استمرار الاقصاء، والتهميش، والتشويه يؤدى بالطرف الآخر إلى ضعف الشعور بالمسئولية، وإلى تطرف المواقف من باب المزايدة، وإثبات الوجود، وهو ما يحدث حتى فى النظم الديمقراطية التى مرت بتجربة حزب الأغلبية الكاسحة المهيمن دائما، مثلما كان الحال فى إسرائيل فى عقود هيمنة حزب العمل (انتخابيا)، حيث كانت المعارضة اليمينية تزداد تطرفا مع كل هزيمة انتخابية، ومثلما كان الحال أيضا فى سنوات هيمنة حزب المؤتمر (انتخابيا) على الحياة السياسية فى الهند.. وهكذا.
علينا الآن أن نتساءل، ما الذى تكسبه الحياة السياسية المصرية إذا دفع اليأس بعض الأحزاب المهمة إلى تجميد نشاطها؟
المؤكد أن الفراغ الذى سينشأ من جراء مثل هذه الخطوة، لن تملأه – كله أو بعضه – الأحزاب المزمع إنشاؤها، أو دمجها حاليا فى معادلة متفق عليها بين الحكم وبين بعض المعارضة، وذلك لأن هناك تيارات، وأفكار، وطاقات أخرى فى المجتمع لن تجد لنفسها تعبيرا أو دورا فى هذه المعادلة، بمكوناتها الفكرية، والطبقية.
فما الذى سيحدث حينئذ؟
لأن الطبيعة تأبى الفراغ، فهناك احتمالان لا ثالث لهما: فإما يتزايد التطرف، وعدم الشعور بالمسئولية، والبحث عن وسائل غير حزبية للنشاط السياسى، وإما يتفشى الشعور بالاحباط واللامبالاة والسلبية، وضعف الانتماء.. وهى كلها من أسباب وأعراض تحلل المجتمعات، وبالطبع فقد يحدث الأمران معا، وهذا هو أغلب الظن، وهكذا لن يكسب أحد بمن فى ذلك مؤسسات الحكم.
لقد كتبت هذه السطور على الرغم من أننى قبل كتابتها مباشرة قرأت «بوست» على صفحة الصديق العزيز هانى شكر الله على موقع «فيس بوك» أنقله هنا بقليل من التصرف، يقول هانى: «ربما وجب إدراك أن ثمة شيئا تعيسا فى محاولات إقناع النظام بأن الديمقراطية فى مصلحته».

عبد العظيم حماد رئيس تحرير جريدة الشروق السابق. كاتب صحفي مصري بارز ، وشغل عدة مناصب صحفية مرموقة على مدار تاريخه المهني.ولد عام 1950 ، وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية ، وعمل كمحرر ومعلق سياسي منذ عام 1973 ، سواء في الإذاعة والتليفزيون أو في مجلة أكتوبر أو في جريدة الأهرام ، وكان مديرا لتحرير الأهرام الدولي في أوروبا ، وكبيرا لمراسلي الأهرام في منطقة وسط أوروبا ، وله مؤلفات وأبحاث وكتابان مترجمان ودراسات دولية متنوعة.
التعليقات