الأربعاء 13 ديسمبر 2017 6:59 م القاهرة القاهرة 18.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع تراجع ترامب عن قرار اعتبار القدس عاصمة إسرائيل؟

ترامب ليس استثناء

نشر فى : الأربعاء 6 ديسمبر 2017 - 11:00 م | آخر تحديث : الأربعاء 6 ديسمبر 2017 - 11:00 م
سئل الرئيس دونالد ترامب عن تبرير لعلاقته الودية بالرئيس الروسى فلاديمير بوتين على الرغم من علمه بأن تاريخ روسيا يؤكد أن قادتها من القتلة. أجاب الرئيس الأمريكى بأن ما يقوله الصحفى صحيح. هناك فى روسيا كثير من القتلة. «نحن أيضا لدينا كثير من القتلة.. هل تظن أن بلدنا برىء تماما؟!».

ورد هذا الاقتباس فى مقابلة صحفية جرت بين الرئيس الأمريكى وأحد الصحفيين فى مقال كتبه «Adam Hochschild» بالعدد الأخير من «The New York Review of Books». أراد الكاتب ــ فى العرض الذى قدمه لثلاثة كتب صدرت أخيرا عن تطور الحياة السياسية فى أمريكا عشية الحرب العالمية الأولى ــ أن يثبت أن ترامب ليس الرئيس الوحيد فى التاريخ الأمريكى الحديث الذى مارس التمييز العنصرى عن اقتناع واستخدم القمع والعنف أو برر استخدامهما ضد معارضيه وتعامل مع خصومه السياسيين باعتبارهم خونة للوطن. 
ترامب رجل يكذب باستمرار. قال عن الرئيس السابق للولايات المتحدة باراك أوباما إنه لم يولد فى أمريكا. التصريح فى حد ذاته كاذب فضلا عن أنه، كما يقول «Hochschild»، يكشف عن عنصرية بغيضة. ترامب هو الرئيس الذى ضرب الصحافة ــ بل الميديا الأمريكية بأسرها ــ فى الصميم أكثر مما ضربها رئيس أمريكى آخر. هو الرئيس المدافع عن الوطنية وحب أمريكا وهو نفسه الذى ساوى بينها وروسيا فى تصريحه عن وجود قتلة بين قادتها وفى شعبها. بل إنه بهذا التصريح لعله كشف عن قلة خبرته السياسية وعدم نضجه، إذ كيف يتحدث عن روسيا وعن رئيسها بكل هذا الود. ألا يعلم، أو كان يجب أن يعلم، أن الشعب الأمريكى لا يحب روسيا وبالتأكيد لا يحب بوتين. 

جلب الرئيس ترامب لنفسه وإدارته وحزبه انتقادات واسعة داخل أمريكا ولكن بالأخص داخل أوروبا والعالم الإسلامى حين نطق أو غرد بعبارته الشهيرة: «أعتقد أن الإسلام يكرهنا.. هناك شىء ما.. هناك كره هائل.. هناك كره لنا لا يمكن تصديقه». هنا أيضا أثبت الرئيس خصائص عديدة تجمعت فى شخصه. أثبت أنه الرئيس الأمريكى الأشد وضوحا فى تصريحاته المباشرة والعدوانية. أثبت أيضا مرة أخرى سوء أو قلة خبرته وحنكته السياسية. كان يعلم أو يفترض أن أحدا من مساعديه أخبره أن لأمريكا حلفاء فى أوروبا لديهم مشكلات داخلية بسبب هجرة مئات الألوف من المسلمين إليها فى السنوات الأخيرة وأن هذه التصريحات ومواقف أخرى للرئيس تزيد المشكلات تعقيدا فى وجوه أقرانه من حكام أوروبا. ناهيك عن صدى هذه التصريحات فى العالم الإسلامى خاصة أنه لا يميز فى تصريحاته هذه بين المسلمين على وجه العموم وبين المجاهدين أو الإرهابيين. 

***

ماذا كان يمكن أن يحدث لمسلمى الولايات المتحدة والخصوم السياسيين للرئيس ترامب وعموم الإعلاميين الأمريكيين لو لم تكن هناك قيود استجدت بعد الحرب العالمية الثانية تحد من حرية السلطة الأمريكية فى الانتقام والترويع؟ يطرح الكاتب هذا السؤال الذى سبق لكثيرين فى أمريكا وخارجها طرحه منذ وصول الرئيس ترامب إلى الحكم بل وطرحناه فى أثناء الحملة الانتخابية، ولعلنا استبعدنا فوزه ونحن نجيب عن هذا السؤال. أتذكر هذا السؤال كلما وصل إلينا خبر أو تغريده من أمريكا تحمل معنى مطاردة أو حبس أو ترحيل مهاجرين عاشوا فى أمريكا عشرات السنين، أو تحمل معنى الاستهانة بقتل عنصريين بيض لسيدة بيضاء مثلهم ولكن متعاطفة مع قضايا الأمريكيين من أصول إفريقية. 

يجيب الكاتب «Hochschild» استنادا على ما ورد فى كتاب للسيدة «Margaret Wagner» بعنوان «أمريكا والحرب العظمى» وكتب أخرى، فيقول إن إجابته موجودة سلفا فى أمريكا ذاتها قبل مائة عام بالتمام، أى منذ لحظة دخولها الحرب العالمية الأولى وربما قبلها بعشرات السنين. فى تلك اللحظة ولسنوات ثلاث ونصف بعدها تعرضت أمريكا لحملة رقابة على الصحف غير مسبوقة فى تاريخ الإعلام واعتقالات بالجملة وعمليات إرهاب وترويع للمهاجرين من أصل ألمانى. صحيح أن الرئيس ويلسون ورث مجتمعا منقسما على نفسه ممتلئ بالكره ومحبا للحرب وكارها للألمان ومتشبعا بالأفكار العنصرية والعدوانية التى غرسها حكم الرئيس تيودور روزفلت المعروف تاريخيا بعاشق الحروب، ولكن أيضا لأنه، أقصد الرئيس ويلسون، لم يكن يخفى عدم اطمئنانه إلى تسعة ملايين مواطن ومهاجر من أصل ألمانى وأربعة ملايين ونصف من أصل أيرلندى ضد التحالف مع بريطانيا، ومئات الموظفين الفدراليين المنضوين تحت لواء الاشتراكية وآلاف القياديين النقابيين الذين لا يعترفون إلا بحرب واحدة تدخلها أمريكا وهى الحرب ضد الرأسماليين الأمريكيين. نشبت الحرب حربين، حرب فى الخارج ضد ألمانيا وحرب فى الداخل ضد كل من يشتبه فى تعاطفه مع الألمان وضد الصحف والمجلات اليسارية والنقابيين. كان الرئيس ويلسون يقول بكل صراحة ترامبوية إن صح التعبير، «هناك بين مواطنى الولايات المتحدة، من أخجل بأن أعترف أنهم ولدوا تحت رايات دول أخرى مغروسا فيهم سم الخيانة وعدم الولاء، مخلوقات نشأت على عدم الإخلاص ويجب سحقها».

***

سبق دخول الحرب حملة ضد المواطنين من أصل ألمانى قادها بنفسه الرئيس ويلسون لبث الفرقة والكره داخل المجتمع ضدهم. وما إن قامت الحرب إلا وراح الرئيس يأمر باعتقال المواطنين من أصل ألمانى. نتحدث هنا عن ملايين الناس. اعتقلوا كل من يلقب باسم شميدت، حتى راح الناس يغيرون اللقب إلى سميث. أقاموا حفلات ليلية فى شتى المدن لحرق الكتب المدرسية باللغة الألمانية، صدرت الأوامر باعتقال قائد أوركسترا أوبرا مدينة بوسطن اشتباها فى أنه يرسل عبر الأنغام رسائل شفرية إلى القيادة الألمانية فى برلين. أهالى مدينة برلين فى ولاية آيوا غيرت اسمها فصار لنكولن، والهامبورجر أصبح سالزبرى ستيك والحصبة الألمانى صارت حصبة الحرية، وراحت صحيفة «New York Herald» تنشر أسماء السكان من أصل ألمانى. وسط هذه التعبئة تشكلت فرق من « البلطجية» أطلق على واحدة منها اسم فرسان الحرية لمساعدة الشرطة فى القبض على النقابيين واليساريين والمتعاطفين مع الألمان وتسليمهم للقائد العسكرى المحلى لمحاكمتهم عسكريا وإصدار الأحكام فى أقل من نصف ساعة وشنق من تثبت إدانته.

كانت الحرب دائرة فى الخارج وحرب أخرى دائرة فى الداخل حين دعا الرئيس ويلسون إلى إنشاء عصبة الأمم لتتولى تسوية النزاعات سلميا. هذا التناقض الذى تميزت به السياسة الأمريكية عبر تاريخها الحديث ظهر فى أجلى معانيه عندما قرر الرئيس ويلسون قبل نهاية الحرب الاستعداد لعودة أكثر من أربعمائة ألف أمريكى من أصل إفريقى شاركوا فى الحرب. هؤلاء سوف يعودون غاضبين. هؤلاء قال عنهم الرئيس ويلسون أنهم يعودون حاملين الأفكار البلشفية ولا بد من الاستعداد لهم بالقمع والعنف. وبالفعل جرت لآلاف منهم محاكمات صورية وشنق منهم ثمانية وسبعون على قمم الأشجار.

***

ما هى الدروس التى يمكن أن تفيدنا من التعمق فى دراسة حرب انتصرت فيها أمريكا عسكريا، ولكن فقدت فيها معنى وقيم وجودها وكشفت عن تناقضها، تناقض الممارسة مع المبادئ والأخلاق؟ يتساءل الكاتب ويحاول الإجابة. يقول إن الأحداث الداخلية التى رافقت دخول أمريكا الحرب العالمية الأولى تنبئ بأنه عندما تسود البلاد حالة توتر اجتماعى شديد وهستريا مجنونة تتناسى الحكومات المبادئ والحقوق والأخلاق والحريات. يزعم البعض أن الشعب لم يعرف حقيقة ما يدور. لم يطلع على التفاصيل التى لو علم بها لتدخل ومنع السلطة من ارتكاب المجازر وممارسة إرهاب الدولة. الحقيقة التى تثبتها التطورات هى أن الشعب كان يعلم ولم يتحرك أو ينطق. 

أما الدرس الأهم، ولعله هدية السماء إلى الحكام، فهو الحرب. أن يذهبوا إلى الحرب إذا دعت ضرورة التخلص من عتاة الخصوم السياسيين فى الداخل وتأزمت الحالة الاجتماعية أو الاقتصادية. عند الحرب لن تعتبر الحكومات الانشقاق عنها والاحتجاج ضدها مجرد أخبار زائفة وإعلام مغرض وجهل أو نقص فى المعلومات بل خيانة للوطن.

 

جميل مطر كاتب ومفكر مصري كبير مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي ، ويعد من أبرز الكتاب في المنطقة العربية ، وله سمعة كبيرة في هذا المجال على الصعيد الدولي أيضا ، فضلا عن كونه محللا سياسيا معروفا ، وهو أيضا مدير المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل.