الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 7:09 م القاهرة القاهرة 18.2°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يساعد توثيق عقود الزواج إلكترونياً في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟

التمرد على المؤسسة: ما وراء السترات الصفراء

نشر فى : الأربعاء 5 ديسمبر 2018 - 10:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 5 ديسمبر 2018 - 10:15 م

احتجاجات «السترات الصفراء»، التى تبدت فى أجوائها ورسائلها أحوال اجتماعية مضطربة وساخطة على رفع ضرائب الوقود، ليست غضبا عابرا ينتهى فعله بتعليق إجراءاته بقدر ما كانت تعبيرا عن أزمة عميقة فى المؤسسة الفرنسية.
أسوأ اقتراب ممكن من تلك الاحتجاجات حصرها فى أسبابها المباشرة، التى استدعت تظاهرات شملت العاصمة باريس ومدنا فرنسية عديدة، وتشبيهات محملة على أهواء لتفسيرها.
قيل إنها «ربيع فرنسى» لمجرد أن بعض مشاهدها شابتها حوادث عنف وتخريب مروعة فى قلب مدينة النور عند «قوس النصر»، ووسائل تعبئتها اعتمدت على شبكة التواصل الاجتماعى، أو أن بعض شعاراتها دعت إلى رحيل الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون»، كأنه يمكن أن يلقى مصير «حسنى مبارك» فى مصر و«زين العابدين بن على» فى تونس و«على عبدالله صالح» فى اليمن و«معمر القذافى» فى ليبيا دون إدراك للفروق الجوهرية بين ما يجرى هناك وما جرى هنا.
وقيل إنها «مؤامرة أمريكية» للنيل من «ماكرون» على خلفية دعوته لجيش أوروبى يحفظ أمن القارة بعيدا عن «الناتو»، وهذا إمعان فى نظريات المؤامرة دون دليل واحد.
الأهواء المشبعة بنزعة الانتقام من ثورة «يناير»، أو الإدانة المسبقة لأى احتجاج اجتماعى أيا كانت أسبابه ومواقعه على خريطة العالم، لا تساعد على إدراك الحقائق الأساسية وتشوش على الفهم العام لما يحدث فى بلد أوروبى جوهرى وتأثيراته المحتملة على موازين القوى الدولية وحسابات المصالح هنا.
بذات القدر فارقت بعض التوصيفات الجاهزة فى فرنسا نفسها أية قدرة على إدراك حقائق الموقف، كأن يعزى لأبناء الضواحى من المهاجرين مسئولية العنف، أو تنسب الظاهرة كلها إلى جماعات فوضوية تستهدف ضرب مؤسسات الدولة، على ما صرح وزير الداخلية «كريستوف كاستنير» وهو يدعو فى ذروة الأحداث إلى فرض حالة الطوارئ، غير أن دعوته لم يستجب لها.
بقدر حجم الغضب الشعبى اكتسبت احتجاجات السترات الصفراء عمق تأثيرها، وكان تعليق الإجراءات محتما.
لم يكن هناك مخرج آخر.
هذا ما توصل إليه «ماكرون» بعد ممانعة طويلة، ففرنسا لا تحتمل موجة أخرى من الاحتجاجات، التى شلت العاصمة وأزعجت سياحها قرب احتفالات الكريسماس، وحوالى (72%) من الفرنسيين يؤيدون مطالب أصحاب «السترات الصفراء» رغم أى اعتراض على مظاهر العنف والتخريب، والاعتراض نفسه شمل القطاع الأكبر من المحتجين.
وجد «ماكرون» نفسه فى مأزق يتعلق بمستقبله السياسى حيث انخفضت قاعدة شعبيته حسب استطلاعات الرأى العام إلى (26%) مرشحة فيما لو عاند وكابر لمزيد من التدهور. وربما العجز عن إدارة الدولة رغم الأغلبية النيابية المريحة التى يتمتع بها.
بعض أسباب تراجع شعبيته ارتفاع معدل البطالة إلى (9.1%) وانخفاض معدل النمو الاقتصادى إلى (1,6%) وعدم التزامه بوعوده الانتخابية بتنشيط الحياة الاقتصادية وتحسين مستويات معيشة الفرنسيين.
هبطت الضرائب الجديدة على الطبقة الوسطى والعائلات الفقيرة كعقاب غير مستحق من رئيس يعمل على تشجيع الاستثمار بتقليل العبء الضريبى على الشركات والأثرياء، وإنفاذ المبادئ البيئية على حسابهم.
بترجمة أخرى فإن ارتفاع سعر وقود الديزل الأكثر استخداما فى السيارات بفرنسا بذريعة الانتقال البيئى يؤدى عمليا إلى رفع كلفة الحياة فى المناطق البعيدة والريفية التى لا تتمتع بما فى العاصمة من شبكات مترو أنفاق حديثة وخطوط نقل عام متقدمة.
بقوة الحقائق تراجع الرئيس الفرنسى خطوتين إلى الخلف، دعا رئيس حكومته «إدوارد فيليب» إلى إجراء حوارات عاجلة مع الكتل النيابية وقيادات الأحزاب وممثلى «السترات الصفراء» قبل أن يقرر إرجاء زيادة ضرائب الوقود لستة أشهر يجرى خلالها نقاشا موسعا فى البلاد.
لم يكن الحوار مع المحتجين ممكنا، فالحركة بلا قيادة ولا يجمع بين أطرافها برنامج سياسى من أى نوع يتعدى فكرة الاحتجاج الاجتماعى على إجراءات بعينها، وتقدم أى طرف للتفاوض مشروع اتهام جاهز ومشرع بعقد الصفقات على حساب الحركة.
ولم يكن الحوار مع المعارضة باختلاف توجهاتها السياسية والاجتماعية منتجا لأى توافق باستثناء تعطيل الإجراءات التى استدعت الغضب الشعبى الواسع، وهو ما حدث.
كلمة الرأى العام فرضت نفسها.
يصعب إدراك أى شىء وكل شىء إذا لم ندرك تلك الحقيقة.
شرعية الاحتجاج الاجتماعى تكتسب قوتها من دعم الرأى العام بأكثر من أحجام التظاهرات.
كما يصعب إدراك أى شىء وكل شىء إذا عجزنا عن إدراك أهمية الحوار فى تجاوز الأزمات وصناعة التوافقات ولو فى حدها الأدنى.
لم تكن احتجاجات «السترات الصفراء» منظمة أو سياسية، وكان ذلك مصدر قوتها وضعفها معا.
الظاهرة نفسها حالة تمرد على المؤسسة، وكان ذلك ملمحها الرئيسى الذى سوف يلقى بظلاله على المستقبل الفرنسى القريب.
غابت الأحزاب والنقابات وكل ما له صلة بالمؤسسة الفرنسية العريقة بتاريخها والمأزومة فى أوضاعها عن أى تأثير جدى فى حركة الحوادث وعجزت أن تمثل أى قنوات سياسية فعالة وكفؤة فى إدارة الموقف.
وهذا وضع خطر على مستقبل الديمقراطية الفرنسية.
كان صعود «ماكرون» نفسه إلى قصر الإليزيه تعبيرا عن أزمة المؤسسة.
لم يكن وجها معروفا حتى تولى حقيبة الاقتصاد فى عهد الرئيس الاشتراكى السابق «فرانسوا أولاند».
استثمر سياسيا فى الضجر العام من تفشى الفساد فى البنية القيادية للحزبين الكبيرين «الجمهوريون» و«الاشتراكى» وعجزهما عن تقديم برامج جديدة ورؤى جديدة، ونجح فى إقصائهما معا عن قصر الرئاسة وهمش أدوارهما فى الجمعية الوطنية، التى اكتسحها حزبه الوليد «الجمهورية إلى الأمام» الذى يرتبط بشخصه ولا شىء آخر تقريبا.
كان ذلك تمردا على مؤسسة تآكلت صدقيتها.
وكان الرأى العام مستعدا للمضى بعيدا فى إزاحة ما تآكل.
لم يكن مستغربا حصول «جان لوك ميلانشون» مرشح اليسار الراديكالى على (19,5%) و«ماريان لوبان» مرشحة اليمين المتطرف على (21,3%) وخروج مرشحى الحزبين التاريخيين من سباق جولة الإعادة.
بدا «ماكرون» رمزا للتمرد على المؤسسة المتهالكة، لكنه لم ينجح فى تجديد شبابها أو ضخ ثقة عامة فيها، قبل أن يعانى من وطأة تمرد آخر عليه هو نفسه.
قوة الرموز فى «السترات الصفراء» لا تخلو من رسائل تتعدى الاجتماعى المباشر إلى السياسى الكامن.
وفق القانون الفرنسى فإن أية سيارة تتعطل على الطريق عليها أن تقف على جانبه ويرتدى سائقها سترة صفراء للفت انتباه السيارات القادمة إلى أن هناك شيئا يستدعى الحذر.
لم تكن مصادفة أن معالجات صحفية فرنسية بدأت تشير إلى أزمات النظام التربوى والنظام الاقتصادى والنظام الاجتماعى كأنها محاكمة للمؤسسة المهيمنة.
ولا كانت مصادفة أخرى الدعوات التى أطلقتها أحزاب المعارضة رغم التناقض بينها لحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة فى استثمار سياسى لترنح ساكن قصر الإليزيه.
ربما يكون الاختبار المقبل الانتخابات الأوروبية فى مايو (2019) حيث من المحتمل أن تدور صراعاتها حول الهجرة ووجود فرنسا نفسها فى الاتحاد الأوروبى.
وليس من المستبعد ـ ورسائل «السترات الصفراء» ماثلة خلف دخان القنابل المسيلة للدموع، إذا لم تنجح الديمقراطية الفرنسية فى الحفاظ على حقوق الرعاية الاجتماعية لمواطنيها وتجنب محاذير الرأسمالية المتوحشة أن يتحول التمرد عليها إلى حالة انتحار تاريخى بصعود التيار اليمينى المتطرف إلى سدة الحكم فى أكثر الدول الغربية انفتاحا على القيم الحديثة.