الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 7:28 م القاهرة القاهرة 17.7°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يساعد توثيق عقود الزواج إلكترونياً في التصدي لظاهرة زواج القاصرات؟

الديمقراطيات لا تعرف الفوضى

نشر فى : الأربعاء 5 ديسمبر 2018 - 10:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 5 ديسمبر 2018 - 10:15 م

ما إن نزل المتظاهرون فى فرنسا إلى الشوارع احتجاجا على قرار حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون زيادة الضريبة المقررة على الوقود بما يعنى زيادة أسعاره، حتى انطلق كارهو ثورة 25 يناير المجيدة والمدافعون عن الاستبداد والقمع، فى الحديث عن الفوضى التى تضرب فرنسا والكأس الذى تشرب منه جزاء وفاقا لتأييدها لثورات الربيع العربى عام 2011، وغير ذلك من الكلام الذى يدل على جهل فاضح من ناحية، ومحاولة التدليس على الواقع من ناحية أخرى.
المحزن أن هذه الأصوات التى تصر على إهانة عقل وإدراك الشعب المصرى بحديثها عن «المؤامرات الخارجية التى تضرب فرنسا»، والشرطة الفرنسية التى تستخدم القوة الباطشة ضد المتظاهرين، والفوضى العارمة التى أصابت فرنسا، تتجاهل حقيقة أنه فى حين وصل عدد المشاركين فى نحو 1600 مظاهرة شهدتها مدن فرنسا إلى مئات الآلاف، فإن عدد من تم القبض عليهم لم يزد عن 140 متظاهرا ممن تورطوا فى أعمال عنف وتخريب، ولم يصدر حكم بالسجن إلا على 9 فقط ولمدد لم تزد عن 18 شهرا، فى حين لم يسقط أى قتيل فى صفوف المتظاهرين باستثناء سيدة عجوز لقيت حتفها بسبب اختناقها من الغاز المسيل للدموع.
و«استخف الهوى» بهؤلاء المحسوبين على الإعلاميين والسياسيين فتحدثوا عن «الخريف الأوروبى» وعن فرنسا التى ستصبح «زى سوريا والعراق».
حملت المظاهرات الفرنسية اسم «السترات الصفراء» لارتداء المتظاهرين السترات الصفراء العاكسة للضوء التى ألزم قانون فرنسى بدأ تطبيقه عام 2008 بوجودها داخل أى سيارة لكى يرتديها السائق عند نزوله من السيارة على الطريق فى حالات الطوارئ.
وانطلقت هذه المظاهرات احتجاجا على زيادة الضريبة على وقود الديزل بمقدار 7.6 سنت لكل لتر، وعلى البنزين بمقدار 3.9 سنت لكل لتر، وهو ما اعتبرته قطاعات واسعة من الشعب الفرنسى استمرارا لسياسات الرئيس ماكرون المنحازة للأغنياء وأصحاب الشركات والأعمال على حساب العمال والطبقة المتوسطة، فكانت موجة الاحتجاجات القوية التى تطالب بإعادة النظر فى الكثير من سياسات الحكومة.
وعقب سلسلة المظاهرات التى تخللتها أعمال عنف، تحركت الحكومة الفرنسية لاحتواء حركة الاحتجاجات الشعبية «غير المسيسة» بحسب تأكيدات قيادات الحركة، رغم قفز الأحزاب اليمينية وبعض الحركات اليسارية المتطرفة عليها، وقررت الحكومة تعليق تطبيق زيادة الضرائب، وإطلاق حوار واسع مفتوح حول الموضوع.
فى المقابل اعتبرت قيادات الحركة الاحتجاجية الخطوة الحكومية غير كافية وأصرت على ضرورة إجراء استفتاء شعبى على مجمل السياسات الضريبية لحكومة الرئيس ماكرون.
المظاهرات فى فرنسا وغيرها من الدول الديمقراطية لا تؤدى إلى الفوضى، حتى وإن انحرف بعضها نحو أعمال العنف، والإضرابات العمالية لا تعنى «الخيانة وتعطيل عجلة الإنتاج»، وإنما تعنى ممارسة العمال لحقهم واستخدامهم السلاح المتاح لديهم فى مواجهة أصحاب العمل والحكومة. لذلك يتظاهر المتظاهرون ويتوقف العمال المحتجون عن العمل، ثم يجلس المحتجون مع السلطة وأصحاب العمل على موائد التفاوض ليصلوا فى النهاية إلى حلول وسط يقبلها الجميع.
خلاصة الدرس الفرنسى هى أن الديمقراطيات لا تعرف الفوضى ولا الثورات، لكنها تعرف الاحتجاجات التى تلتزم بالقواعد والقوانين من ناحية وتعترف بها السلطة وتحترمها من ناحية أخرى، ليظل الحكم فى النهاية للأغلبية التى تقول كلمتها إما بالانضمام إلى الاحتجاجات فتضطر الحكومة إلى الاستجابة لمطالب المحتجين باعتبارها مطالب الأغلبية، أو تتجاهلها إذا لم تجذب الاحتجاجات تأييد الأغلبية، وفى النهاية تأتى الانتخابات الحرة والنزيهة لتكون كلمة الفصل بين الجميع.

التعليقات