العقيدة القتالية للجيش وتناقضات القاهرة وواشنطن

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الجمعة 28 أغسطس 2015 - 3:30 ص بتوقيت القاهرة

قبل نهاية مارس الماضى أبلغ الرئيس الأمريكى باراك أوباما نظيره المصرى عبدالفتاح السيسى بانتهاء تجميد تسليم مصر المساعدات العسكرية التى كان قد تم حجزها عقب فض اعتصامات ميدانى رابعة العدوية والنهضة فى أغسطس 2013. ومثلت الخطوة الأمريكية بداية جديدة للعلاقات العسكرية ــ العسكرية بين الدولتين، وتلقت القاهرة على إثرها عددا من طائرات الأباتشى المروحية، كذلك تم شحن 12 طائرة مقاتلة إف 16، و20 من صواريخ هاربوون، وقطع غيار 125 دبابة من طراز M1A1، وعدد من الزوارق والقطع البحرية المتقدمة. إلا أن خطوة إرسال هذه الأسلحة وانعكاساتها وتوقيتها يتم ترجمته بصورة مختلفة تصل لحد التناقض فى القاهرة وواشنطن.

***

انعقد فى القاهرة فى الثانى من أغسطس الحالى ما أطلق عليه «حوار استراتيجى» بين الدولتين. ومثل ذلك فرصة لأن يطلق الخبراء الاستراتيجيين المصريين سهامهم فى كل الاتجاهات لوصف ما جرى. البعض رآه نصرا وتقدما للنظام المصرى، والبعض رآه عودة حميدة للعلاقات الخاصة بين الجانبين فى مجالها العسكرى، وبعضهم رآه بمثابة رضوخ أمريكى لسياسات الرئيس السيسى. فى ذات الوقت بدت الصورة مختلفة من واشنطن. لم ير البعض المباحثات «كحوار استراتيجى» ذلك لأنه انعقد فقط لجولة واحدة فى صورة مباحثات ثنائية موسعة بين الطرفين، مثلها فى ذلك مثل أى جلسة مباحثات ثنائية تعقد على مستوى وزراء الخارجية وكبار مساعديهم. كما تم إلغاء جولات الحوار الأخرى فى اللحظة الأخيرة، وذكرت مصادر مطلعة أن ما جرى «لم يكن حوارا، ولم يكن استراتيجيا». وكان من الملفت تواجد شخصيتين عسكريتين بزيهما الرسمى بين الوفد المصرى، إذ جلس اللواء محمد العصار (مساعد وزير الدفاع، ويراه الأمريكيون كمستشار الرئيس للأمن القومى) على يمين وزير الخارجية المصرى، وجلس لواء آخر على مقربة فى الجانب الآخر.

***

تكشف رؤية القاهرة المتناقضة مع رؤية واشنطن إدراكا مختلفا لما يطرأ من تطورات فى العلاقات بينهما. ويعتقد كلاهما أنه ينتصر فى هذه الجولة، وأن مصالحه تُخدم، وأن رؤيته الاستراتيجية تتحقق.

واشنطن تعتقد أنها نجحت فى مسعاها القديم لتغيير العقيدة القتالية للجيش المصرى، وساعدها فى ذلك تطورات الداخل المصرى الذى أصبح معه تركيز الجيش المصرى ينصب بالأساس على «مكافحة الإرهاب داخل مصر». وأظهرت واشنطن ذلك بوضوح فى بيانها بخصوص المساعدات والذى جاء فيه أن «الولايات المتحدة ستوجه مساعداتها باتجاه المعدات المستخدمة فى محاربة الإرهاب وأمن الحدود وأمن سيناء والأمن البحرى وصيانة نظم التسليح المستخدمة فى مصر بالفعل». وخلال عقود ما قبل ثورة 25 يناير، أكدت وثائق ويكيليكس انزعاج واشنطن الشديد من عدم تغيير عقيدة الجيش المصرى القتالية التى تقر أن الجيش المصرى لم يعرف خلال تاريخه الحديث سوى إسرائيل عدوا. ودفع ذلك الجيش بالاستعداد المستمر لوقوع حرب مستقبلية تقليدية ضد إسرائيل تستخدم فيها الطائرات والصواريخ والدبابات وقطع المدفعية. إلا أنه اليوم ومع التغيرات الدراماتيكية داخل مصر وفى خريطة الشرق الأوسط، لا يتحدث الكثيرون عن «إسرائيل العدو». من هنا تريد واشنطن أن تقتصر أهداف «التسليح الأمريكى» لجيش مصر على دعم قدرته على مواجهة التهديدات الجديدة. وساعد انتشار الجماعات الراديكالية المتطرفة فى شمال سيناء على توجيه الجيش المصرى أنظاره لقتال من نوع مختلف وطبيعة جديدة عليه، حتى وإن كان يستخدم فيها طائرات الأباتشى وإف 16.

***

تعتقد القاهرة من جانبها أنها نجحت فى معاودة الحصول على المساعدات العسكرية التى كانت تحصل عليها قبل أحداث 3 يوليو و14 أغسطس. وتنفى القاهرة أنها ليست بصدد إحداث أى تغيير فى العقيدة القتالية للجيش، ويؤكد مسئولون كبار أن ما يجرى لا يخرج عن كونه إعادة توزيع بعض التشكيلات الصغيرة للقيام بمهام غير تقليدية فى الداخل المصرى من حماية مؤسسات عامة، إلى مواجهة الإرهاب فى شمال سيناء وصولا لمحاربة التهريب وتدمير الأنفاق. وتستشهد القاهرة بعدم حدوث أى تغيير من خلال سعيها الجدى للحصول على عتاد عسكرى تقليدى متقدم من مصادر أخرى كروسيا وفرنسا، وغيرهم من الدول. وتستشهد القاهرة كذلك بالاستمرار فى إجراء مناورات كبيرة بصور متكررة على معارك تقليدية تتضمن القيام بمهام عسكرية فى مناطق صحراوية مفتوحة. وتعتقد القاهرة كذلك أن أنشطة الجماعات الراديكالية فى شمال سيناء وصلت لدرجة لا يمكن معها إلا حدوث مواجهة كبيرة تستخدم فيها كل ما فى جعبة الجيش من أسلحة مثل طائرات الأباتشى وإف 16. من ناحية أخرى أصبحت ليبيا تمثل تهديدا كبيرا للأمن القومى المصرى قامت على إثره مصر بتنفيذ غارة جوية فى السابق لم يعتبرها كبار المسئولين المصريين الأخيرة.

***

دفع ظهور وتوغل داعش، وما تبعه من حشد واشنطن لتحالف دولى لمواجهته يضم مصر بين دوله، لتأكيد أهمية الدور المصرى، وهو ما دفع وزير خارجيتها جون كيرى إلى أن يقول إن «مصر هى خط الدفاع الأول فى مواجهة إرهاب داعش، وندعم الجهود التى تقوم بها لمواجهة الجماعات الإرهابية بسيناء». ويقابل ذلك إيمان القيادة المصرية بدورها، فقد ذكر السيسى فى حوار له مع وكالة أسوشيتدبرس التزام مصر الكامل «بالتعاون لمكافحة الإرهاب فى المنطقة، مش بس على قد التعامل مع مسألة داعش لوحدها، لا، إحنا بنتكلم على دعم كامل من جانب مصر لاستراتيجية كاملة لمكافحة الإرهاب فى المنطقة والعالم كمان».

وأخيرا جاء توقيع الاتفاق النووى بين إيران من ناحية والدول الست الكبرى لكى يتم الترويج فى واشنطن لمزيد من الدعم لجيش مصر، على أنه يمثل «الجيش السنى الأكبر فى المنطقة»، وهو ما يوجه معه رسالة تطمين إضافية لدول الخليج الداعمة للنظام المصرى والرافضة للاتفاق النووى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved