غرام عسكر أمريكا بجيش مصر

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الأحد 26 فبراير 2012 - 9:00 ص بتوقيت القاهرة

يرجع تاريخ العلاقات العسكرية بين مصر وأمريكا للنصف الثانى من القرن التاسع عشر، وتحديدا عقب انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية عام 1865. وبمجرد انتهاء الحرب بانتصار جيش الشمال الاتحادى الفيدرالى على حساب جيش الجنوب الانفصالى الكونفيدرالى، لم يشعر الكثير من العسكريين فى الجيشين بالرغبة فى العودة للحياة المدنية من جديد، واختار عشرات الجنود والضباط الانتقال لمصر والانضمام لجيشها وتقديم خدماتهم للخديوى إسماعيل.

 

وكان لافتتاح قناة السويس عام 1869، والتى جعلت من مصر فى ذلك الوقت (حيث لم يكن هناك طيران) من أهم دول العالم لسيطرتها على أهم طرق الملاحة الدولية بين قارتى أسيا وأوروبا، بريقا خاصا ساهم فى شعور العسكريين الأمريكيين بأهمية ما يقومون به.

 

خدم فى الجيش المصرى أكثر من ثلاثين أمريكيا منهم ستة جنرالات، كان أهمهم الجنرال الجنوبى وليام لورنج الذى خدم لمدة تسع سنوات فى برامج تحديث جيش مصر، ثم ترقى ليصبح مسئولا عن وحدات الدفاع البحرى، وشارك فى محاولات ضم دول القرن الأفريقى لمصر.

 

وبعد عودته للولايات المتحدة كتب عن مذكراته فى مصر بعنوان «جندى كونفيدرالى فى جيش مصر»، وحاول أن يصبح «سيناتور» فى ولاية فلوريدا، إلا أنه هزم فى الانتخابات. كما كان الجنرال الشمالى تشارلز ستون من الخبرة والأهمية ليصبح أحد كبار مستشارى الخديوى إسماعيل العسكريين، وتمت ترقيته وحصل على رتبة فريق. وبعد عودته للولايات المتحدة عمل كبيرا للمهندسين فى مشروع وضع تمثال الحرية فى مدخل مدينة نيويورك.

 

وحصل الجنرالات الأمريكيون على راتب سنوى بلغ 2500 دولار ذهبى، وعهد لهم بالمشاركة فى تدريب الجيش المصرى، كما ساهموا بصورة كبيرة فى تأسيس عدد من المدارس العسكرية، وتحسين البنية الأساسية لمواصلات الجيش المصرى واتصالاته، ودعموا الحملات العسكرية المصرية فى الدول الأفريقية.

 

وبعدما تمت إزاحة الخديوى إسماعيل وتعيين ابنه الخديوى توفيق عام 1879 بقى العسكريون الأمريكيون بجوار الحاكم الجديد، وعندما قامت ثورة عرابى وما تبعها من دخول القوات البريطانية لمصر، عاد العسكريون الأمريكيون لبلادهم.

 

وخلال الاحتلال البريطانى لمصر لم يكن هناك وجود لعلاقات عسكرية مصرية أمريكية. وبعد الاعتراف الأمريكى بدولة إسرائيل، وما تبعه من لجوء مصر لتسليح جيشها الوليد بعد حركة ضباط 1952 من دول الكتلة الشرقية، وطورت مصر علاقاتها العسكرية بصورة كبيرة مع الاتحاد السوفيتى. وعندما فاجأ الرئيس أنور السادات العالم بطرد الآلاف من الخبراء السوفييت الموجودين فى مصر فى صيف 1972، كان رد الفعل الأمريكى دليلا كافيا للتعرف على ما تمثله مصر من أهمية للاستراتيجية الأمريكية. وزير الخارجية الشهير هنرى كيسنجر ذكر «لو اتصل الرئيس السادات تليفونيا بواشنطن وطلب أى شىء قبل طرد الخبراء السوفييت من مصر، لكان حصل على ما أراد، إلا أنه قدم هذا العمل الجليل لنا مجانا»، أما الرئيس ريتشارد نيكسون فسارع بتوجيه رسالة عاجلة للرئيس السوفييتى ليونيد بريجينيف ذكر فيها عدم علمه المسبق بما أقدم عليه الرئيس المصرى، وعدم وجود دور لواشنطن فى هذه الخطوة المفاجئة، وأكد أن الولايات المتحدة لن تتخذ أى خطوات بناء على هذه التطورات المهمة.

 

ثم عادت العلاقات العسكرية بقوة بعد توقيع مصر وإسرائيل اتفاق سلام عام 1979 والذى يقضى بوجود مئات من العسكريين الأمريكيين فى شبه جزيرة سيناء ضمن قوات حفظ السلام الدولية. وبدأت مصر فى الحصول على مساعدات عسكرية واقتصادية أمريكية منذ ذلك الحين بلغ إجماليها حتى عام 2011 ما يقرب من 70 مليار دولار. وأصبح مكتب التعاون العسكرى OMC الملحق بالسفارة الأمريكية فى القاهرة، والمعنى بالتعاملات العسكرية بين الدولتين، يمثل ثانى أكبر مكتب من نوعه فى العالم.

 

ترى واشنطن أن الجيش المصرى هو أهم وأقوى المؤسسات المصرية حتى خلال حكم الرئيس حسنى مبارك. ولا يتخيل الخبراء الاستراتيجيون الأمريكيون عدم وجود علاقات خاصة مع مصر، فهم يتذكرون جيدا دور جيش مصر فى حرب الخليج الأولى، تلك التى شارك فيها بما يزيد على 30 ألف عسكرى حاربوا بجوار الأمريكيين، وهو ما سهل من انضمام دول عربية أخرى للتحالف.

 

ترى واشنطن أن الجيش المصرى يفهم العقيدة العسكرية الأمريكية، ويعتمد فى تسليحه على التكنولوجيا والعتاد الأمريكى. ولا تريد أن تتخيل واشنطن وجود جيش مصرى عقيدته إسلامية متشددة، ويسعى للحصول على سلاح نووى مثل نظيره الإيرانى. لا تتخيل واشنطن جيشا مصريا لديه موقف رمادى من قضية الحرب على الإرهاب مثل الجيش الباكستانى. وقطعا لا تريد واشنطن جيشا مصريا يحصل على سلاحه من دول أخرى منافسة مثل روسيا أو الصين، أو حتى صديقة مثل فرنسا وبريطانيا. العلاقات العسكرية العسكرية هى أساس العلاقات الثنائية الحميمة التى عرفتها الدولتان بعد حرب أكتوبر وحتى الآن. وتدرك واشنطن أن هذه العلاقات ترسل إشارات مهمة للداخل المصرى ترفض قيام دولة دينية على النسق الإيرانى أو السعودى، وترسل أيضا للداخل الأمريكى رسائل تتضمن حدود الضغط على حكام القاهرة فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

 

تمنح العلاقات العسكرية العسكرية واشنطن مزايا كثيرة أهمها مناورات النجم الساطع والتى تعد الأكبر من نوعها فى العالم. وتمنحها أيضا مزايا عسكرية ولوجستيكية مثل استخدام الأجواء المصرية، أو تسهيلات عبور قناة السويس للسفن والبوارج الحربية الأمريكية حتى حال أسلحة نووية. منذ يومين قال أندرو شابيرو مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشئون العسكرية والسياسية فى مقابلة مع وكالة بلومبرج: «نحن نبحث بجدية فى احتمال قطع المساعدات العسكرية لمصر، إلا أننا نأمل أن تحل قضية المنظمات الأمريكية». إلا أن أكبر عسكرى فى أمريكا، رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسى، قد أكد بصورة قاطعة رفضه لفكرة قطع المساعدات العسكرية أمام مجلس الشيوخ الأمريكى الأسبوع الماضى، وقال إن مثل هذا الفعل «لا أعرف إلى أين يمكن أن يأخذنا!

 

لذلك أبقى الرئيس الأمريكى باراك أوباما على نفس مستوى المساعدات العسكرية المفترض تقديمها لمصر العام المقبل 2013 عند 1.3 مليار دولار للمساعدات العسكرية، مؤكدا على الغرام الأمريكى القديم بجيش مصر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved