سياسات ما بعد المؤتمر الاقتصادى

عاصم أبو حطب
عاصم أبو حطب

آخر تحديث: السبت 21 مارس 2015 - 11:20 ص بتوقيت القاهرة

انتهت فاعليات المؤتمر الاقتصادى بسلام، بعد أن حظى ــ شأنه كشأن كل القضايا المطروحة على الساحة السياسية والاقتصادية المحلية ــ بكثير من الزخم والنقاش المستفيض بين المحللين والمتخصصين، وتباينت حوله الرؤى وتنوعت التحليلات، والتى ــ إن خلُصت نوايا أصحابها وتجردت لصالح الوطن ــ يجب أن تحترم وتأخذ بعين الاعتبار عند رسم السياسات الاقتصادية فى مرحلة ما بعد المؤتمر الاقتصادى.

ومن خلال متابعتى لتعليقات عدد كبير من المتخصصين ــ على اختلاف أطيافهم ــ حول نتائج المؤتمر، أكاد أجزم بأن هذه التعليقات رغم تباينها قد أجمعت على نجاح الإدارة السياسية والحكومة فى التنظيم والحشد للمؤتمر والذى تجلى واضحا فى تمثيل رفيع ومشاركة فاعلة لمنظمات دولية كالبنك الدولى وصندوق النقد الدولى ومنظمة الأمم المتحدة، إلى جانب المنظمات الإقليمية كالاتحاد الأوروبى، والاتحاد من أجل المتوسط، وبنك التنمية الأفريقى، وتجمع الكوميسا. إلى جانب مشاركة عدد من رؤساء الدول والحكومات والوزراء المتخصصين، والمشاركة المكثفة لممثلى عدد كبير من الشركات العالمية.

ولا شك أن هذا النجاح التنظيمى إنما يبعث برسالة ضمنية للعالم الخارجى مفادها أن مصر ــ وبالرغم من الأوضاع السياسية والاقتصادية التى تمر بها فى الوقت الراهن ــ مازلت تمتلك مؤسسات قوية وتمسك بزمام الأمور فإن أردات فعلت وإذا خططت نفذت. كما أن فى هذا الحشد والمشاركة الكبيرة – ووفق حسابات المصلحة لا العاطفة ــ يعد مؤشرا إيجابيا على ثقة المشاركين فى قدرة الاقتصاد المصرى على التعافى واستعادة مستويات نموه، بل وإدراكهم للفرص والحوافز الاستثمارية التى قد يتيحها هذا النمو.

•••

وبانتهاء المؤتمر وتجاوزنا لمرحلة نشوة الإنجاز وفرحة النجاح، تبدو أمام صانعى السياسات فى مصر عدد كبير من التحديات التى أهمها ــ من وجهة نظرى ــ هو كيفية إيجاد صيغة متوازنة بين سياسة اقتصادية تضمن ــ من ناحية ــ تحقيق مستويات مرتفعة من النمو الاقتصادى من خلال توفير بيئة جاذبة للمستثمرين ومناخ مشجع على الأعمال، وبين سياسة اجتماعية – من ناحية أخرى ــ تضمن أن ثمار هذا النمو وعوائد هذه الاستثمارات ستتوزع بشكل عادل بين فئات المجتمع المصرى وتتناسب مع الآمال الكبيرة التى يعلقها المواطن المصرى على نتائج هذا المؤتمر.

إن تحقيق هذه المعادلة هو مهمة صعبة تحتاج إلى إدارة حكيمة وواعية عند تخطيط ووضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية. فقد يتطلب خلق هذه البيئة المشجعة على الاستثمار تقديم المزيد من الإعفاءات الضريبية والجمركية للمستثمرين وشركات القطاع الخاص، وربما يستدعى إجراءات من شأنها تخفيض دعم الغذاء والطاقة أو تغيير صرف سعر العملة المحلية للسيطرة على عجز الموازنة والتقليل من الديون الحكومية وغيرها من الروشتات التقليدية التى توصى بها المنظمات الدولية عادة فى هذا الصدد. وعلى الجانب الآخر، فقد ينتج عن هذه الإجراءات ارتفاع فى مستويات التضخم وتأثيرات سلبية على سوق العمل ومعدلات التوظيف مما سيؤثر بشكل مباشر الدخول الحقيقية والمستوى المعيشى للطبقات الفقيرة ومحدودى الدخل. وتحت هذا السيناريو الأخير ولتجنب ما قد ينتج عنه من توترات اجتماعية سياسية، ستجد الدولة نفسها مضطرة لزيادة برامج دعم الفقراء والإنفاق على الخدمات الاجتماعية وهذا سيؤثر بصورة سلبية على العجز الكلى للموازنة ومؤشرات الاقتصاد الكلى، وقد ينتج عنه أيضا انعدام الطلب الفعال والذى سينعكس سلبيا على القطاع الخاص والمستثمرين، أى أننا سندخل فى دائرة مفرغة.

ولتقريب الصورة، دعونى أعُد بكم قليلا للوراء، وتحديدا إلى الفترة ما بين عام 2005 وحتى ما قبل احتدام الأزمة المالية العالمية فى أواخر عام 2009، حيث كانت الحكومة فى ذلك الوقت تحقق معدلات نمو بلغت وفقا لبعض التقديرات نحو 7%. وقد أشادت العديد من تقارير البنك الدولى وصندوق النقد الدولى بالأداء الاقتصادى المصرى خلال هذه الفترة بل وقُدِّمت مصر كتجربة ناجحة ونموذجا لغيرها من الدول النامية فيما يتعلق بالإصلاح الاقتصادى.

•••

اللافت هنا أن هذه الفترة تحديدا والتى أشادت فيها المنظمات الدولية بنمو وأداء الاقتصاد المصرى هى ذات الفترة التى بدأت فيها مصر تعرف الإضرابات العمالية والاعتصامات بشكلها الذى لم نعتده خلال ثلاثين عاما من حكم مبارك. حتى إن كثيرا من المحللين لثورات الربيع العربى يرون أن هذه الفترة هى التى نبتت فيها بذور حركات التمرد المجتمعى وتشكلت فيها ملامح الحراك الاجتماعى الذى أطاح بالنظام السياسى لاحقا وبعد سنوات معدودة. والسؤال الذى شغل كثيرا من المتابعين والمحللين هو كيف لدولة تشهد تحسنا فى أداء قطاعاتها الاقتصادية، وينمو اقتصادها بمستويات تفوق بنظيراتها، وتشيد المنظمات الدولية بتجربتها، ثم تكون المحصلة النهائية هى تمردا شعبويا يؤدى إلى اسقاط نظامها السياسى؟
وإجابة هذا السؤال تكمن جزئيا فيما يطلق عليه خبراء اقتصاديات التنمية مصطلح «النمو بلا تنمية»، وهو ذلك النموذج التنموى الذى لا يكون فيه النمو الاقتصادى لمجتمع ما مصحوبا بإنجازات تنموية تضمن توزيعا عادلا لمكتسبات هذا النمو بين فئات وشرائح المجتمع. وتحت هذا الوضع، تحصد الطبقات الغنية فى المجتمع ثمار النمو الاقتصادى وتستأثر به وحدها فيزداد الأغنياء غنى ويزداد الفقراء فقرا وتتسع الفجوات والفروق بين طبقات المجتمع، وهذا مما لا شك فيه كفيلٌ بتأجيج نيران الحقد الاجتماعى والغضب الشعبى التى رأيناها وقد أكلت الأخضر واليابس وأسقطت نظاما سياسيا تمددت جذوره وتوطدت أركانه على مدى أكثر من ثلاثة عقود.

•••

خلاصة القول، أن مرحلة «ما بعد المؤتمر الاقتصادى» تحتاج من مخططى السياسات وصانعى القرارات إلى حل هذه المعادلة الصعبة وذلك بتطبيق نموذج نمو اقتصادى مستديم، يتيح للمستثمرين ومؤسسات القطاع الخاص بيئة مشجعة للأعمال والاستثمار ويمكن الحكومة من تحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادى، ويشتمل فى ذات الوقت على حزمة من السياسات الاجتماعية التى تضمن تحقيق عدالة فى توزيع الثروة وتفادى أية نتائج سلبية لهذا النمو على محدودى الدخل والطبقات الفقيرة فى المجتمع.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved