خدعة الصفقة

صلاح ابو الفضل
صلاح ابو الفضل

آخر تحديث: الجمعة 20 يوليه 2018 - 9:30 م بتوقيت القاهرة

ذات يوم كنت أتحدث مع صديق بريطانى يشتغل بالقانون حول وسائل حل الصراعات فقال لى: إن أفضل وسيلة لمجابهة الخصم هى أن تمارس الضغط النفسى الملائم أولا قبل أن تلجأ للقوة أو الأدوات القانونية المعقدة، فكثيرا ما يحقق الضغط النفسى نتائج مدهشة توفر عليك المجهود والتكاليف. صمت الصديق برهة ثم استطرد هل تعلم أن كثيرا من انتصارات الإمبراطورية البريطانية تحقق بالغزو النفسى قبل العسكرى. تذكرت ذلك وأنا ألاحظ كيف تزداد الشائعات وتستعر التكهنات كلما حل ذلك الشاب الصهيونى صهر الرئيس الأمريكى فى عاصمة عربية أو التقى أحد الزعماء العرب حاملا حقيبة صفقة القرن المزعومة والتى لم يصدر حتى الآن أى تصريح معتمد عن محتوياتها أو بنودها، فقط تدور بشأنها حوارات لا تنتهى وتدور معها رءوس المحللين والمراقبين والمشغولين بمستقبل المنطقة والأوطان المهددة، ويتملك الجميع دوار الحيرة والقلق دون أن يصلوا لإجابة شافية أو بصيص من أمل.
والمؤسف أننا لسنا بحاجة لمن يكشف لنا ما فى حقيبة الشاب الغامض، فأى دارس لتطورات صراعنا مع العدو الصهيونى، أو مراقب لتصرفات الشريك الأمريكى الذى أعطيناه كل أوراق اللعبة، أو قارئ لمسلسل تراجعاتنا وانهياراتنا، يستطيع أن يستنتج ما قد يطرح على مائدة الإملاءات وليس المفاوضات. ولو أن لدينا استراتيجية أو بعضا من خطة لأمكننا التهيؤ لما يمكن أن يسعى الشاب الصهيونى لفرضه علينا. لكن لأننا لا نملك ترف امتلاك استراتيجية واضحة فإننا نقف موقف المنتظر للبلاء مستعجلا لوقوعه بدلا من عذاب انتظاره.
***
ويذكرنى ذلك بظاهرة نفسية شهيرة تسمى «العجز المكتسب» درسناها فى بدايات تعلم الطب النفسى، وملخصها أن وسائل مقاومة الخطر كانت تختبر فى فئران التجارب بوضعها فوق أسطح معدنية ثم تسلط عليها صدمات كهربية من ناحية فى السطح فتهرب إلى الناحية الأخرى، وتعلمت الفئران أن تتقى الصدمة بالإسراع إلى الناحية الآمنة قبل تلقيها، ثم تغيرت التجربة بحيث أصبحت الصدمات تأتى من أى مكان فى السطح المعدنى فحدث هرج ومرج وراحت الفئران تتدافع فى كل اتجاه لتتجنب الصدمات بدون جدوى ولم تعد قادرة على التنبؤ بمصدر الصدمات، عند ذلك توقفت عن محاولة الهرب، واستسلمت للمقدور، أى أنها اكتسبت العجز عن المحاولة. وهو مفهوم نفسى نجد له مقابلا فى السلوك الإنسانى حين يتلقى الإنسان ضربات متوالية فى الحياة يعجز عن التعامل معها أو توقيها وشيئا فشيئا يتولد لديه ذلك العجز المكتسب فيتوقف عن المحاولة ويصاب بالاكتئاب الشديد. ويمكن لنا أن نتتبع ذلك فى الظاهرة العربية التى يتبدى فيها قدر لا يستهان به من اليأس أمام سطوة العدو الصهيونى المدعوم بالهيمنة الأمريكية فلا يجد العرب أمامهم إلا الاستسلام والانتظار المصحوب بالرجاء والتمنى. ويمكن القول إن ذلك بشكل ما كان المحرك الخفى وراء نزعة التسليم بأن كل أوراق اللعبة كانت فى يد الأمريكيين. فقد عكس هذا التسليم الرغبة فى عدم المقاومة أو الشعور بأنها غير مجدية. وهى سياسة اجتاحت معسكرا واسعا فى العالم العربى فراح يتلقى الضربات التى ظلت تتوالى بصور مختلفة وضراوة متزايدة تعلمت منها أنظمة عربية عديدة أنه لا فائدة من المقاومة، أو هكذا خيل لها، فاستسلمت بدرجات متفاوتة لإملاءات السيد الأمريكى والفتوة الإسرائيلى تعللا بأنه ليس فى الإمكان إلا ما كان. وكان طبيعيا أن نصل بهذه السياسة إلى تدمير أنظمة عربية بأكملها كما حدث فى العراق وليبيا أو شل أنظمة أخرى عن الحركة وتحجيم نموها كما حدث فى عهد مبارك، أو استخدام أنظمة أخرى لتنفيذ مهام محددة بالطلب كقطر. ولعلنا لا ننسى أن هذه الحرب النفسية بلغت ذروتها فى ضربة 67 التى تركت أثرا نفسيا مدمرا فى الوجدان الوطنى كسر روح التقدم وخلق لدينا شعورا بالعجز ما زلنا نعانى منه بدرجات متفاوتة، ولا يزال البعض يرجع إليه أسباب تدهورنا وعجزنا عن تحقيق تقدم اجتماعى واقتصادى ملموس رغم الجهود الهائلة التى نبذلها.
ولكن على صعيد آخر تمسكت كيانات عربية أخرى بمبدأ الصمود والمقاومة وتمكنت من تحديد مصادر قوتها ونقاط ضعف العدو الصهيونى واستطاعت أن تدير بصبر وبراعة صراعا محكما أتاح لها انتصارات عديدة وحماها من الاستسلام فى بعض المراحل حتى الآن. مثال ذلك بعض اللمحات المضيئة فى نضال المقاومة الفلسطينية والتى أوصلتها إلى منصة الأمم المتحدة واقتربت بها من فرض القضية الفلسطينية على الساحة الدولية إلى أن تسللت فكرة أوراق اللعبة الخبيثة إلى عقل المناضل الفلسطينى فبدأ التراجع. ويبقى المثال الأكثر إبهارا هو نموذج حزب الله الذى نجح فى توجيه ضربات موجعة للعدو وأجبره على الهروب من جنوب لبنان وجعله يخشى الاقتراب منه مرة أخرى. ورغم كل محاولات العدو الصهيونى اليائسة من الالتفاف حول حزب الله فإن صواريخه المضبوطة على كل مدن إسرائيل تملأ الخيال الإسرائيلى رعبا وحذرا وتجعلها تلجأ إلى استمرار الضرب فى بقية المحيط العربى لعلها تحاصر هذا الجنوب اللبنانى العصى.
ويمثل النموذج السورى صورة ملحمية فذة لأشرس معركة خاضها نظام عربى ضد مؤامرة متعددة الأطراف خطط لها وقادها الثنائى الصهيو ــ أمريكى ونفذها مرتزقة التيار الإسلامى بمخالب عربية وتركية. ورغم أن سوريا تحولت إلى انقاض وتشرد أكثر من مليونين من أبنائها فإن مؤامرة تفتيتها فشلت وتمكن السوريون بوضوح الرؤية وعقد التحالفات الصحيحة من هزيمتها. صحيح أن الثمن جاء فادحا لكن الفارق هو بين الموت والحياة، وقريبا سيبدأ السوريون إعادة بناء سوريا المنتصرة من جديد.
***
وتبقى فكرة الصفقة المزعومة التى يجرى التسويق لها رغم عدم وضوح أى شيء منها تخايل العقل العربى. ونحن لو تذكرنا أن الرئيس الأمريكى هو تاجر بالدرجة الأولى ومقامر بالدرجة الثانية فسيمكننا فهم السبب فى الغموض، فالحقيبة التى يحملها كوشنر هى حقيبة فارغة ينتظر أن تسقط فيها أكبر كمية من التنازلات ستنهار من عقل المفاوض العربى الذى أجهدته الضربات وأنهكه انتظار المصير المحتوم أو البلاء الذى طال انتظاره، والتاجر الخبيث ترامب لا يتعجل فكلما طال الانتظار كلما زاد الإعياء وقلت المقاومة وسهل التفريط.
إن مخاوفنا وضعف إرادتنا وغيبة الرؤية الشاملة هى مكونات صفقة القرن، فقد نسينا فى خضم التمثيلية السحرية أن الصراع ممتد وأن استراتيجية إسرائيل وأمريكا لم تكن فى يوم من الأيام من أجل صفقة نهائية وإنما هى عملية ممتدة فى الزمن إلى أن تنتهى الأمة كلها من الوجود وتسود إسرائيل فى كل المشرق الذى كان يوما عربيا. إن الذين يحرقهم التساؤل عن تفاصيل الصفقة عليهم أن ينظروا فى المرآة وسيرون معالمها جلية واضحة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved