أرض بطعم المطر

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الثلاثاء 11 يونيو 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

كلها متعددة تعيش متلاصقة لبعضها البعض يقبل بها الكثير لا يزاحم الواحد الآخر لا على مساحة فى السماء ولا عند موسم ولادة المطر.. تتشكل الغيوم فى كل سماء تطوف الأرض متعرية من كل ثقل.. هى بخفتها لا يثقلها سوى بعض أو كثير مائها.. هى حبلة بالخير والمطر ككل نساء الكون.. عند النظر إليها تبدو وكأنها أشكال لبشر ولحيوات كثيرة.. هذه غيمة على شكل جسد امرأة مستلقية فى استرخاء النسمة وتلك مستندة على ضوء القمر وأخرى تحجب الشمس الحارقة عنا وتجلس بينها وبيننا.

 

لما لا نكون كالغيم.. كما الغيوم المتلونة والمتشكلة.. لِمَ لا نفهم بأن الأرض قادرة على حملنا جميعا بأشكالنا وألواننا وأدياننا ولغاتنا وأجناسنا.. هى الأرض فقط التى تعرف ما قيمة البشر لأنهم جميعا ما يلبثون ويعودون إليها يرصون صفوفا فى بطنها أما تسترهم قطعة من القماش الأبيض أو تابوت من الخشب ثم ترمى عليهم حفنة من التراب.. هى الأرض فقط تعرف ما معنى الموت لأنها الأقرب له، وهى الأخرى تعرف معنى الحياة عندما تغرس زهرة أو بذرة فى بطنها فتولد ثمار وشجر.

 

●●●

هنا حيث الأرض لا تسقى سوى بماء المطر يتساقط من قلب غيمة، يتعب البشر من بعضهم البعض.. يرفضون إلا أن يقسموا المقسم أصلا.. يعيدون تكرار العبارة ذاتها فى بعض بطاقات الهوية: الطائفة والجنس.. عند الدين والطائفة توقفوا طويلا منذ سنوات، منذ ذاك الهلال الذى قالوا عنه الكثير؟ لا بل قبله بكثير.

 

ذاك الهلال الذى لم نكن نعرفه قبلا سوى بأنه الخصيب من الخصوبة تحول إلى الكراهية المعاكسة تماما لها.. من الهلال الذى ينفخ فى الأرض فتولد الحياة حتى الهلال الذى ينثر الموت على مساحاته الواسعة.. يقتلع الأشجار ويغرق الأرض بالدم الذى تطهر بالفتاوى المتكررة من الجانبين.. راح المعممون يرسلون فتاواهم عابرة القارات والحدود المصطنعة أصلا..

 

استخدموا كل الأساليب الحديثة من تلفزة وتويتر وفيس بوك ولا ننسى اليوتيوب، لينشروا أكثر ما هو بعيدا عن الحداثة والتنمية والحياة.. كل يجلس فى غرفته المكيفة وبين ركعة وأخرى يسجل فتاواه التى ما تلبث وأن تنتشر بعيدا.. يتلقفها الشباب الذين أنهكتهم طوابير الانتظار وقوائم العاطلين من العمل..

 

أولئك الذين لا مساحة لهم فى أحياء مكتظة بالأجساد أو حتى الذين فتحت لهم أبواب الهجرة وأوصدت فى وجوههم أبواب الاندماج فى مجتمعات بدت للوهلة الأولى غريبة عنهم، عن طقوسهم وتقاليدهم فى مدنهم وقراهم البعيدة فتلقفتهم الفتاوى جاهزين حائرين باحثين عن الحقيقة وسر الوجود.. وفيما الواحد منهم باحث عن السكينة فى سجوده على أرض ذاك الجامع يتلقفه شيخ آخر ويحوله الى قنبلة موقوته لا طموح لها سوى الاستشهاد والرحيل الى جنات الخلد سريعا؟! شيخ يحول خوف الشاب وتردده ومعاناته اليومية الى كراهية وحقد ويوجهها نحو الآخر..

 

أخوه الذى كان هناك عند تلك الضيعة عندما كانوا يخلعون أحذيتهم الممزقة ويحولون مساحة من الأرض على أطراف الحقول الى ملعب لكرة القدم، يجرى كل منهم خلف الكرة وهو يجر أحلامه بمستقبل باهر لا يحمل سوى بضع إشارات كلها تشير الى جامعة وشهادة ومنزل مريح وربما حبيبة، امرأة غير نساء هذه القرية.. فتاة شفتاها بطعم الكرز المقطر بالندى، تلك التى يراها فى المجلات ذات الورق المصقول.. هذا كان سقف طموح كل هؤلاء الشباب وسماؤهم أيضا..

 

وبعد الانتهاء من اللعب يجلسون على حافة السهل الواسع وبعضهم يستلقى على العشب الأخضر وسط حقول بمد البصر يحلقون فى السموات السبع ويتحدثون عن أحلام لن يعرفوا يوما أن أحدهم سيأتى ليسرقها فى لمح البصر ليس باسم الدفاع عن الأرض والعرض والوطن بل باسم الدين والطائفة.. رحل رفاق اللعب بعيدا لم يعد هناك ما يجمعهم بعد أن تناثروا فى المدن المبعثرة والقلقة..

 

المدن الخائفة من الغيمة والنسمة وقطرات المطر.. وبدل من أن ينقسموا إلى فريق وآخر أصبحوا فرقا كثيرة لا تعد ولا تحصى كل يوم يرحل شاب أو شابة إلى بطن الأرض يستلقى ووجهه أو وجهها صوب الكعبة ينادى على ربها ليحمى هذه الأوطان من تفتيت المفتت وتعميم الكراهية والحقد باسمها وباسمهم باسم كل أولئك الذين كانوا يعملون على بذر السكون والخشوع.

 

كاتبة من البحرين

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved