يوم العمال بلا احتفال

تمارا الرفاعي
تمارا الرفاعي

آخر تحديث: الأربعاء 2 مايو 2018 - 9:15 م بتوقيت القاهرة

خلت شوارع القاهرة من السيارات وحافلات النقل العام ومن الكثير من المشاة فى يوم العمال، والذى تزامن مع توقعات من هيئة الأرصاد الجوية بعواصف رملية شديدة دفعت الناس بالبقاء داخل بيوتهم تحسبا لسيول قد تقطع عليهم طريقهم إلى البيت كما حدث فى الأسبوع الماضى.
وبينما يحظى العاملون فى القطاع العام وكثير ممن يعملون فى القطاع الخاص بيوم عطلة للتذكير بحقوق العمال، لا يذكر باقى أيام السنة بحقوقهم، ففى بلاد قطاع الاقتصاد غير الرسمى فيها كبير، أى العمل خارج الأطر القانونية خصوصا فى مجالات البيع والشراء والسوق والمطاعم والمقاهى وغيرها من الأعمال الحرة، يتوقف كثير من حقوق العمال على صاحب العمل، فلو كان يتبع نظاما داخليا سَنَّه على أساس تقديره لمتطلبات حياة يومية معقولة، تراه يؤمِّن ظروف عمل معقولة لموظفيه، أما النوع الآخر من أرباب الأعمال الخاصة، ومع تحفظى على التعميمات الفضفاضة، فأتساءل إن كانوا سيرضون لأنفسهم بالشروط التى يفرضونها على عمالهم، من الراتب الشهرى الذى لا يمكن أن يغطى حتى نفقات أساسية لكل بيت، إلى ساعات العمل الطويلة، إلى عدم وجود نظم للتأمين الصحى والاجتماعى، وهى أمور أترك تفنيدها للمختصين فى الأمور الاقتصادية وفى قوانين العمل.

***

ما يشغلنى دوما هو تحديد متطلبات الحياة الأساسية، كالمنزل والماء والكهرباء والغاز والطعام والشراب والتعليم إن كان لديه أطفال، وإمكانية الحصول على العلاج إن مرض أحد أفراد الأسرة، وكسوة ثياب أساسية. أنا لا أدعو إلى أى نوع من الترف، فلا أعدد مثلا حق كل فرد بالراحة أى بإجازة سنوية قد يترتب عليها مصاريف إضافية للاستجمام، أنا أفند فقط أساسيات الحياة اليومية التى لا يمكن لإنسان أن يستغنى عنها سواء كان مقتدرا أم لا.

***

فى أول شتاء أمضيه فى نيويورك، وهى مدينة بردها قارص وصقيعها يدخل حتى العظام، دخلت السيدة اللطيفة التى كانت تعتنى بأطفالى أثناء ساعات عملى الأسبوعية فى صباح أحد الأيام المثلجة وخلعت عنها معطفها وهى تقول إنها سعيدة جدا بوجودها فى منزلى بسبب درجة حرارته المعقولة. سألتها «هل منزلك بارد فى أيام الشتاء؟» رمقتنى السيدة بنظرة من لم يفهم السؤال ثم أجابت أن نظام التدفئة فى العمارة التى تسكنها مركزى يعمل بشكل متواصل من أول الشتاء حتى أول يوم فى الربيع، فتشعر أحيانا أنها قد تختنق من الحر وتضطر أن تلبس ملابس قطنية خفيفة داخل منزلها. عدت وسألتها دون أن أفكر بسذاجة سؤالى: «هل تعنين أن فى منزلك نظام تدفئة متكامل؟» فردت باستغراب «وهل من أحد دون نظام تدفئة فى منزله؟».

***

علقت هذه القصة فى ذهنى بسبب رمزية ما يعتبر أساسيا فى الحياة، بالنسبة للسيدة مربية أطفالى والتى هاجرت من إفريقيا منذ سنوات طويلة لتستقر فى نيويورك، أصبح أمر كالتدفئة فى الشتاء، وغيرها من التفاصيل الحياتية اليومية جزءًا من الأساسيات، هى لا تعول على طيبة قلب من تعمل معه حتى تحصل على مميزات، هى لا يهمها ما أسمعه كثيرا من أصدقاء من حولى «أنا أعامل مربية الأطفال وكأنها فرد من العائلة». ولماذا نعامل شخصا يعمل لقاء أجر وكأنه فرد من العائلة؟ لماذا نتوقع أن يفرح بأننا نزيل حواجز بيننا بهدف طمأنته بأننا سوف نعامله برفق؟
***
الخلط فى عالمنا بين المفاهيم، بالإضافة إلى عدم حصول قطاعات كبيرة من العمال على حقوق تم مراجعتها بسبب تغير نمط وتكاليف الحياة، محت من الذهون مسئوليات أصحاب الأعمال ممن يوظفون عندهم العمال، وخلطت بين حق العامل بحزمة من الأساسيات وأيضا حقه بمعاملة محترمة لأن هذا هو الطبيعى وليس لأن رئيسه يعامله كجزء من العائلة.
***
للحركة العمالية وشعاراتها والفن والرسومات المرتبطة بها شىء ثورى ورومانسى وحقوقى فريد، يظهر مرة فى السنة فتمتلئ صفحات التواصل الاجتماعى بصور غالبها قديم يدعو إلى الإضراب وإلى المطالبة بالحقوق، بالنسبة لى، ففى هذه الحركة شىء يثير حزنى كشخص غير مختص بالتنظيم العمالى وبقانون العمل، إنما كشخص عادى يحاول أن يفهم كيف يمكن لأسرة أن تعيش بشكل آدمى دون أن تحصل على الحد الأدنى من الأساسيات، كيف يمكن أن نقلق على فقدان أساسيات حياتنا دون أن نسقط القلق على من هم أقل منا حظا؟ كيف يستطيع أحدهم أن ينفث دخان سيجاره فى وجهى وهو يقول «لا تقارنى نفسك بالعمال، فحاجاتهم غير حاجاتك».

***

أنا صدقا لا أفهم أن تكون حاجة أحدهم إلى ظروف معيشية أساسية كالتى ذكرتها آنفا عرضة للتفاوض: إن لم يغطِ راتب شهرى تكاليف مسكن ومواصلات وأساسيات أخرى، فعلى أى أساس نتفاوض؟ على أساس أن لا حاجة للعامل أن يسكن فى بيت؟ أن لا حاجة له أن يأكل ثلاث وجبات فى اليوم؟ أن لا عناية طبية يحتاجها أطفاله؟ الحساب سهل على فكرة، وهو موجود فى كثير من الدراسات الاقتصادية، بحيث يتم توضيح كلفة حياة يومية لا ترف فيها، وهى عموما كلفة لا تتغير على أساسها لوائح وقوانين العمل التى عفى عليها الدهر، ولا تتقبلها عقول الكثيرين من أصحاب الأعمال، وحتى يتغير الاثنان، القوانين والعقليات، يبقى يوم العمال يوما تخلو فيه الشوارع من الناس لكن لا يحتفل به العمال بمكاسب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved