ظواهر سلبية فى حياتنا الإبداعية

إيهاب الملاح
إيهاب الملاح

آخر تحديث: السبت 1 يوليه 2023 - 8:30 م بتوقيت القاهرة

ــ 1 ــ
ثمة ظواهر فى الحياة الثقافية المصرية والعربية، وبخاصة فى دوائر الكتابة والإبداع الروائى والقصصى، شاعت فى السنوات الأخيرة، وكنت أظن أنها مجرد زوائد مؤقتة و«زبد» مما يذهب جفاء، لكن على ما يبدو ولأسباب عديدة تنامت هذه الزوائد واستفحلت، وأصبحت مثل «ورد النيل» يغطى مساحات شاسعة من النهر الخالد، ولا يبدو لها من وظيفة سوى تشويه جماله، وإعاقة السير فى مجراه وتعطيل حركة النقل والمواصلات النهرية، فضلا على حجزها كميات هائلة من الملوثات والنفايات التى تضر بالنهر وبالذى يعتمدون فى حياتهم كلية عليه!

ــ 2 ــ
هكذا بالضبط أرى ما جرى من تحول نشاط الكتابة الإبداعية من فن أصيل وأدب رفيع وممارسة لغوية مخصوصة ترقى بصاحبها فى مدارج التذوق والمعرفة وفهم العالم إلى مجرد عملية شكلية محمومة، مدفوعة الأجر فى غالب الأحيان، يسعى من ورائها إلى تحصيل المال أو الشهرة أو الوجاهة أو الجوائز!
ألاحظ بعين الأسى شيوع ما يسمى بتحديات القراءة التى تحولت إلى مجرد مسابقات مفرغة المضمون أشبه بمنافسات «تلى ماتش» التى كنا نشاهدها على شاشة القناة الثانية ونحن صغار! فلا معنى أبدا لأن يتحول نشاط معرفى نوعى يمايز بين أصحاب حضارة ونهضة وتقدم حقيقى ونقيضهم إلى محض تسابق كمى فارغ ولا معنى له سوى التسفيه من نشاط القراءة وتسليعه وتحويله إلى مجرد وسيلة للتربح والكسب المادى!
وهذه مجرد ظاهرة واحدة من ظواهر أخرى تشمل؛ على سبيل المثال لا الحصر، ما يسمى بورش الكتابة التى أصبح مقابلها بالدولار والريال والعملة الصعبة أيا ما كانت! ومنها شيوع ما يسمى بعروض الكتاب المصورة مدفوعة الأجر! ومنها تحول عملية الكتابة نفسها إلى محض ممارسة تسويقية وترويجية يمارس فيها كل شىء ويوظف فيها كل شىء إلا الكتابة ذاتها!

ــ 3 ــ
وما زلت أرى أن المشكلة الأكبر فى هذه الفوضى الحاصلة هى نقص «ثقافة الكتابة»، بل انعدامها بالكلية تقريبا (فى قطاعات ودور نشر ودوائر قراء لا تعد ولا تحصى!)، خصوصا فيمن يتوهمون أنهم كتاب وروائيون وهم ليسوا كذلك! وأسارع قبل أن يتهمنى أحد بأننى أصادر على حق البشر فى الكتابة والإبداع! وأوضح أننى أقصد من يبتغون جادين إنتاج كتابة حقيقية، تبحث عن ابتكار أشكالها الجمالية وتجسد رؤاها للعالم فى إبداعات فنية متميزة؛ أو كانوا من أصحاب الروايات التى تطرح رؤى عميقة للعالم فى بنية فنية متميزة، هؤلاء هم الذين أتوجه لهم بحديثى هذا وكفانا الله سوء الخطاب!
مؤكد أن هناك ذائقة جديدة تتنامى وتنتشر بفعل السوشيال ميديا كالنار فى الهشيم لقراء يؤثرون السهولة، ويميلون إلى التشويق. ولا أستغرب لو كان أصحاب هذه الذائقة من مدمنى «فيسبوك» والمواقع الإلكترونية التى تعطى كما لا نهائيا من المعلومات والمشهيات القرائية (فى غالبها غير دقيقة بل ومشوهة تماما)، ولكنها لا تعطى «فكرا نقديا» ولا معرفة أصيلة ولا إبداعا حقيقيا، ولا تنتج لنا نوع «المثقف» الذى يعرف الفرق بين قراءة التسلية العابرة، وقراءة المتعة الفنية عميقة الأثر.
ولعلنى هنا أتذكر الكتاب القيم للمرحوم جابر عصفور «فن القص شعر الدنيا الحديثة» (صدر فى 2019 عن الدار المصرية اللبنانية) الذى وضع يده على بعض مظاهر هذا النقص المرعب فى ثقافة الإبداع والكتابة والقراءة على السواء، وفى تكوين القارئ والكاتب المعاصر على السواء.
يملأ الكتاب الفراغ القاتل فيما أسميه «ثقافة النوع الأدبى» أو التأصيل النظرى لماهية القص والسرد عموما، ويربط بين جذور القص فى تراثنا القديم وبين الأشكال المستحدثة التى تم استنباتها فى تربة الثقافة العربية فى المائتى عام الأخيرة، وصارت هى الفنون الأكثر انتشارا وجماهيرية؛ أقصد الرواية والقصة.
ــ 4 ــ
عبر فصوله المتتابعة يقدم الكتاب معالجات غاية فى العمق والشمول والإحاطة بقضايا جوهرية تتصل بفن القص والسرد الروائي؛ منها على سبيل المثال تأصيل بحث نشأة النوع الروائى فى الثقافة العربية، وربطها بعدد من الإشكالات المهمة مثل الرواية والترجمة والراوية والمرأة والرواية والمدينة والرواية والتاريخ، وهى جوانب غاية فى الأهمية تكاد تكون غائبة بالكلية عند أغلب أو معظم من يمارسون الكتابة الآن (ومنهم من لم يتجاوز العشرين من عمره ويتجرأ ويقرر إعطاء خلاصة خبراته السردية فى ورش كتابية مدفوعة الأجر لقاء ثلاث أو أربع روايات منشورة منحته لقب كاتب وروائى أو روائية!).
وثمة أيضا خلاصات مركزة ومقطرة فى غاية الأهمية والقيمة لمسيرة الفن الروائى فى مصر منذ الثلاثينيات والأربعينيات وحتى ما اصطلح على تسميته بجيل التسعينيات لا يقدر على تكثيفها وتلخيصها إلا ناقد وأستاذ كبير بقيمة جابر عصفور، ومن واقع متابعاته وقراءاته لمئات الأعمال والروايات من مختلف الاتجاهات والتيارات الفنية..
حتى لو اختلفت معه فى تقدير قيمة بعض الأعمال وهذا وارد، وكثير بالمناسبة لكنك لا تملك إلا الإعجاب مثلا بتحليلاته لبعض نماذج ما سماه بالرواية الرائجة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved